الاثنين، 24 يونيو 2013

جرائم الوهابية فى المدينة المنورة وأحاديث النبى فى من أخاف أهلها


المدينة المنورة بلاد رسول الله صل الله عليه وسلم : 
اقتداء بيزيد بن معاوية صاحب وقعة الحرة الذي استباح المدينة المنوَّرة ثلاثة أيام يقتل وينهب فقد قام الوهابية بغزوها[34] ، وسننقل ههنا بالنص من كتابهم التاريخي الذي يحتفون به في كل محفل : (عنوان المجد في تاريخ نجد) (... أجمعوا على حرب المدينة ونزلوا عواليها ، ثمَّ أمر عبد العزيز ببناء قصر فيها فبنوه وأحكموه ، واستوطنوه ، وتبعهم أهل قباء ومن حولهم وضيَّقوا على أهل المدينة ، وقطعوا عليهم السوابل ، وأقاموا على ذلك سنين ... ولما طال الحصار على أهل المدينة وقعت المكاتبات بينهم وبين سعود من حسن قلعي وأحمد الطيار والأعيان والقضاة وبايعوا في هذه السنة).[35] 
وهكذا سقطت المدينة المنورة مستسلمة بعد أن مات أهلها جوعا ، ويالها من دناءة في محاربة بلاد حرمها رسول الله صل الله عليه وسلم . 
تربة وحزبة: 
وهما قريتان بالحجاز انقض عليهما جنود الوهابية في أواخر شعبان 1337هـ /1919م فقتلوا ونهبوا واعتدوا على الأعراض وأحرقوا النخيل ، وقد أحصي من قتل في تربة وحدها فبلغوا ثلاثة آلاف من المدنيين العزَّل ، وقد كان ذلك بعد سحقهم للجيش الشريفي بقيادة عبدالله بن الحسين ، وكانت الفاجعة بقيادة أشقى القوم ويدعى فيصل الدويش.[36]
بعد أن سردنا لك ما فعلته الوهابيه فى بلاد الحجاز وفى المدينة المنورة على وجه الخصوص 
نذكر لك أقوال الصادق المصدوق سيدنا محمد صل الله عليه وسلم فى المدينة وأهلها لتعلم على وجه اليقين 
من هم الوهابية 
حرمة المدينة : 
حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ، حَدَّثَنَا شَهْرٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لِكُلِّ نَبِي حَرَمٌ، وَحَرَمِي الْمَدِينَةُ، اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُهَا بِحُرَمِكَ أَنْ لا يُؤْوَى فِيهَا مُحْدِثٌ، وَلاَ يُخْتَلَى خَلاهَا، وَلاَ يُعْضَدُ شَوْكُهَا، وَلاَ تُؤْخَذُ لُقَطَتُهَا، إِلاَّ لِمُنْشِدٍ».
حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، وَأَخْبَرَنِي جَابِرٌ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:«مَثَلُ الْمَدِينَةِ كَالْكِيرِ، وَحَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ عليه السلام، مَكَّةَ، وَأَنَا أُحَرِّمُ الْمَدِينَةَ، وَهِي كَمَكَّةَ حَرَامٌ مَا بَيْنَ حَرَّتَيْهَا، وَحِمَاهَا كُلُّهَا، لاَ يُقْطَعُ مِنْهَا شَجَرَةٌ، إِلاَّ أَنْ يَعْلِفَ رَجُلٌ مِنْهَا، وَلاَ يَقْرَبُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ الطَّاعُونُ، وَلاَ الدَّجَّالُ، وَالْمَلاَئِكَةُ يَحْرُسُونَهَا عَلَى أَنْقَابِهَا وَأَبْوَابِهَا».
حَدَّثَنَا موسى، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَن جَابِرٌ، فذكر النهى عن حمل السلاح فقط.
حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، وَعَاصِمٌ الأَحْوَلُ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الْمَدِينَةُ حَرَامٌ».
قَالَ: فذكر الحديث، وَزَادَ فِيهَا حُمَيْدٌ: «وَلاَ يُحْمَلُ فِيهَا سِلاحٌ لِقِتَالٍ».قلت: حديث أنس في الصحيح خلا حمل السلاح.
باب فيمن أخاف أهل المدينة:

حَدَّثَنَا عَلِي بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ أَمِيرًا مِنْ أُمَرَاءِ الْفِتْنَةِ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، وَكَانَ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُ جَابِرٍ، فَقِيلَ لِجَابِرٍ: لَوْ تَنَحَّيْتَ عَنْهُ، فَخَرَجَ يَمْشِي بَيْنَ ابْنَيْهِ فَنُكِّبَ، فَقَالَ: تَعِسَ مَنْ أَخَافَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: ابْنَاهُ، أَوْ أَحَدُهُمَا، يَا أَبَتِ وَكَيْفَ أَخَافَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ مَاتَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ أَخَافَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَقَدْ أَخَافَ مَا بَيْنَ جَنْبَىَّ».
حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، فذكر المرفوع منه.
.باب المدينة لا يدخلها الدجال ولا الطاعون:
حَدَّثَنَا يُونُسُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، يَعْنِي ابْنَ سَلَمَةَ، عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ مِحْجَنِ بْنِ الأَدْرَعِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: «يَوْمُ الْخَلاَصِ، وَمَا يَوْمُ الْخَلاَصِ، ثَلاَثًا»، فَقِيلَ لَهُ: وَمَا يَوْمُ الْخَلاَصِ؟ قَالَ: «يَجِيءُ الدَّجَّالُ فَيَصْعَدُ أُحُدًا فَيَنْظُرُ الْمَدِينَةَ فَيَقُولُ لأَصْحَابِهِ: أَتَرَوْنَ هَذَا الْقَصْرَ الأَبْيَضَ؟ هَذَا مَسْجِدُ أَحْمَدَ، ثُمَّ يَأْتِي الْمَدِينَةَ، فَيَجِدُ بِكُلِّ نَقْبٍ مِنْهَا مَلَكًا، مُصْلِتًا، فَيَأْتِي سَبْخَةَ الْجَرْفِ فَيَضْرِبُ رُوَاقَهُ، ثُمَّ تَرْجُفُ الْمَدِينَةُ ثَلاثَ رَجَفَاتٍ، فَلاَ يَبْقَى مُنَافِقٌ، وَلاَ مُنَافِقَةٌ، وَلاَ فَاسِقٌ، وَلاَ فَاسِقَةٌ، إِلاَّ خَرَجَ إِلَيْهِ، فَذَلِكَ يَوْمُ الْخَلاَصِ».
حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ زَيْدٍ، يَعْنِي ابْنَ أَسْلَمَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَشْرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى فَلَقٍ مِنْ أَفْلاقِ الْحَرَّةِ، وَنَحْنُ مَعَهُ، فَقَالَ: «نِعْمَتِ الأَرْضُ الْمَدِينَةُ، إِذَا خَرَجَ الدَّجَّالُ عَلَى كُلِّ نَقْبٍ مِنْ أَنْقَابِهَا مَلَكٌ، لاَ يَدْخُلُهَا، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ رَجَفَتِ الْمَدِينَةُ بِأَهْلِهَا ثَلاَثَ رَجَفَاتٍ، لاَ يَبْقَى مُنَافِقٌ، وَلاَ مُنَافِقَةٌ، إِلاَّ خَرَجَ إِلَيْهِ، وَأَكْثَرُ مَنْ يَخْرُجُ إِلَيْهِ النِّسَاءُ، وَذَلِكَ يَوْمُ التَّخْلِيصِ، وَذَلِكَ يَوْمَ تَنْفِي الْمَدِينَةُ الْخَبَثَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ، يَكُونُ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْيَهُودِ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ سَاجٌ وَسَيْفٌ مُحَلًّى، فَتُضْرَبُ رَقَبَتُهُ بِهَذَا الضَّرْبِ الَّذِي عِنْدَ مُجْتَمَعِ السُّيُولِ».
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا كَانَتْ فِتْنَةٌ، وَلاَ تَكُونُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ أَكْبَرَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَلاَ مِنْ نَبِي إِلاَّ وَقَدْ حَذَّرَ أُمَّتَهُ، وَلأُخْبِرَنَّكُمْ بِشَىْءٍ مَا أَخْبَرَهُ نَبِيٌّ أُمَّتَهُ قَبْلِي»، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى عَيْنِهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيْسَ بِأَعْوَرَ».
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ رَجَاءِ بْنِ أَبِي رَجَاءٍ، قَالَ: كَانَ بُرَيْدَةُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَمَرَّ مِحْجَنٌ عَلَيْهِ وَسُكْبَةُ يُصَلِّي، فَقَالَ بُرَيْدَةُ- وَكَانَ فِيهِ مُرَاحٌ- لِمِحْجَنٍ: أَلاَ تُصَلِّي كَمَا يُصَلِّي هَذَا؟ فَقَالَ مِحْجَنٌ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَخَذَ بِيَدِي فَصَعِدَ عَلَى أُحُدٍ، فَأَشْرَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: «وَيْلُ أُمِّهَا قَرْيَةً، يَدَعُهَا أَهْلُهَا خَيْرَ مَا تَكُونُ، أَوْ كَأَخْيَرِ مَا تَكُونُ فَيَأْتِيهَا الدَّجَّالُ، فَيَجِدُ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِهَا مَلَكًا مُصْلِتًا جَنَاحَيْهِ، فَلاَ يَدْخُلُهَا»، قَالَ: ثُمَّ نَزَلَ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِي، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ يُصَلِّي، فَقَالَ لِي: «مَنْ هَذَا؟»فَأَتَيْتُ عَلَيْهِ فَأَثْنَيْتُ عَلَيْهِ خَيْرًا، فَقَالَ: «اسْكُتْ لا تُسْمِعْهُ فَتُهْلِكَهُ»، قَالَ: ثُمَّ أَتَى حُجْرَةَ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ، فَنَفَضَ يَدَهُ مِنْ يَدِي، قَالَ: «إِنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ، إِنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسُرُهُ».
حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنِي شُعْبَةُ، قَال: فَذَكَرَ مَعْنَاهُ.
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقَرَّاظُ، أَنَّهُ سَمِعَ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولانِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ في مَدِينَتِهِمْ، وَبَارِكْ لَهُمْ في صَاعِهِمْ، وَبَارِكْ لَهُمْ في مُدِّهِمُ، اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ، وَإِنِّي عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، وَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ سَأَلَكَ لأَهْلِ مَكَّةَ، وَإِنِّي أَسْأَلُكَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ، كَمَا سَأَلَكَ إِبْرَاهِيمُ لأَهْلِ مَكَّةَ، وَمِثْلَهُ مَعَهُ، إِنَّ الْمَدِينَةَ مُشْتَبِكَةٌ بِالْمَلاَئِكَةِ عَلَى كُلِّ نَقْبٍ مِنْهَا مَلَكَانِ يَحْرُسَانِهَا، لاَ يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ، وَلاَ الدَّجَّالُ، فَمَنْ أَرَادَهَا بِسُوءٍ أَذَابَهُ اللَّهُ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ في الْمَاءِ». قلت: في الصحيح بعضه.
حَدَّثَنَا سُرَيْجٌ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَلاءِ الثَّقَفِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الْمَدِينَةُ وَمَكَّةُ مَحْفُوفَتَانِ بِالْمَلاَئِكَةِ، عَلَى كُلِّ نَقْبٍ مِنْهَا مَلَكٌ، لا يَدْخُلُهَا الدَّجَّالُ، وَلاَ الطَّاعُونُ».
حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ عَمٍّ لأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، يُقَالُ لَهُ: عِيَاضٌ، وَكَانَتْ بِنْتُ أُسَامَةَ تَحْتَهُ، قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ خَرَجَ مِنْ بَعْضِ الأَرْيَافِ، حَتَّى إِذَا كَانَ قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ أَصَابَهُ الْوَبَاءُ، قَالَ: فَأَفْزَعَ ذَلِكَ النَّاسَ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي لأَرْجُو أَنْ لاَ يَطْلُعَ عَلَيْنَا نِقَابُهَا. يَعْنِي الْمَدِينَةَ».
وحَدَّثَنَاه الْهَاشِمِي وَيَعْقُوبُ، وَقَالاَ جَمِيعًا: إِنَّهُ سَمِعَ أُسَامَةَ.
قَالَ عَبْدُ اللَّه: حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ عَمٍّ لأُسَامَةَ قال.... وَذَكَرَ الْحَدِيثَ مِثْلَهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عِيَاضُ بْنُ ضَمْرَى.

ـــــــــــــــــ

[34] كثيراً ما يثني الوهابية وخصوصاً وهابية الكويت على يزيد في أشرطتهم ومحاضراتهم بأحسن ما في جعبهم من صفات وكأنهم –وعلى أقل تقدير-لا يقلدون إمامهم أحمد فيه حين قال لابنه صالح (يا بني ، وهل يحب يزيد أحد يؤمن بالله واليوم الآخر ؟) راجعه في مقال التماحك (1-2)
[35] عثمان بن بشر الحنبلي النجدي ت 1288هـ ، عنوان المجد في تاريخ نجد ، الناشر مكتبة الرياض الحديثة ، بدون تاريخ نشر ، وقد فهرس الجزء الأول منه وضبط أسماء البلدان فيه الشيخ محمد عبدالرزاق حمزة المدرس بالحرم الشريف ، ج1 ، ص 137
[36] الخطيب ، صفحات من تاريخ الجزيرة ص 188 

السبت، 22 يونيو 2013

من عرف نفسه فقد عرف ربه


 ذكر السيوطي في الحاوي للفتاوي رسالة
(العجاجة الزرنبية في السلالة الزينبية)
أنه سئل عن حديث: من عرف نفسه فقد عرف ربه فأجاب:
قل لمن يفهم عني ما أقول * قصر القول فذا شرح يطول
ثَم سر غامض من دونه * ضربت والله أعناق الفحول

أنت لا تعرف إياك ولا * تدر من أنت ولا كيف الوصول
لا ولا تدري صفات ركبت * فيك حارت في خفاياها العقول

أين منك الروح في جوهرها * هل تراها فترى كيف تجول
هذه الأنفاس هل تحصرها * لا ولا تدري متى منك تزول

اين منك العقل والفهم إذا * غلب النوم فقل لي يا جهول
أنت أكل الخبز لا تعرفه * كيف يجري منك أم كيف تبول

فإذا كانت طواياك التي * بين جنبيك كذا فيها خلول
كيف تدري من على العرش استوى * لا تقل كيف استوى كيف النزول

كيف يجلى الله أم كيف يُرى * فلعمري ليس ذا إلا فضول
هو لا كيف ولا أين له * وهو رب الكيف والكيف يحول
وهو فوق الفوق لا فوق له * وهو في كل النواحي لا يزول
جل ذاتا وصفات وسما * وتعالى قدره عما أقول

الأحد، 16 يونيو 2013

الجمع بين الإستواء وحديث النزول يهدم العقيدة الوهابيه



لشيخنا الدكتور وليد الزير صلاح الدين الادلبي حفظه الله تعالى
قال الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر في تذكرة المؤتسي شرح عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي - (1 / 127): " ومن قال يخلو العرش عند النزول أو لا يخلو ، فقد أتى بقول مبتدع ورأي مخترع ": يشير المصنف ـ رحمه الله ـ (أي عبد الغني)
إلى مسألة تتعلق بنزول الله عز وجل إلى سماء الدنيا ، وهي : حينما ينزل هل يخلو منه العرش أو لا يخلو ؟"
والأقوال التي ذكرت في هذه المسألة ثلاثة ، لخصها شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله :"منهم من ينكر أن يقال : يخلو أو لا يخلو ، كما يقول ذلك الحافظ عبد الغني وغيره . ومنهم من يقول : بل يخلو منه العرش ، وقد صنف عبد الرحمن بن منده مصنفاً في الإنكار على من قال : لا يخلو منه العرش ... والقول الثالث ، وهو الصواب ، وهو المأثور عن سلف الأمة وأئمتها : أنه لا يزال فوق العرش ، ولا يخلو العرش منه ، مع دنوه ونزوله إلى السماء الدنيا ، ولا يكون العرش فوقه".
وإنما صوَّب شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ القول الثالث لما فيه من الجمع بين النصوص التي تثبت الاستواء لله تبارك وتعالى على الوجه اللائق به وأنه سبحانه مستو على عرشه بائن من خلقه ، مع الحديث المثبت للنزول .
فالله عز وجل مستو على عرشه بائن من خلقه ، وينزل كيف شاء ، ولا يشبه نزوله سبحانه نزول المخلوقين ، واللوازم التي تلزم في نزول المخلوقين : من شغر مكان وحلول في مكان ، ليست لوازم لصفة الرب ، وإنما هي لوازم لصفة المخلوق .
واختار ابن القيم ـ رحمه الله ـ قول الحافظ عبد الغني ، فقال :"أما الذين أمسكوا عن الأمرين ، وقالوا : لا نقول : يتحرك وينتقل ولا ننفي ذلك عنه .فهم أسعد بالصواب والاتباع ، فإنهم نطقوا بما نطق به الكتاب ، وسكتوا عما سكت عنه".انتهى كلام عبد الرزاق البدر.

قال وليد: لن أعلق على كل كلمة وردت هنا ولكن ما يهمني هنا هو قول الشيخ البدر" ولا يشبه نزوله سبحانه نزول المخلوقين ، واللوازم التي تلزم في نزول المخلوقين : من شَغْر (فراغ) مكان وحلول في مكان ، ليست لوازم لصفة الرب ، وإنما هي لوازم لصفة المخلوق"
قال وليد: هل تعلم أن هذا كلام إذا قطعته عن سياقه وسباقه هو عين ما تقوله الأشاعرة في النزول وفي سائر الصفات المتشابهة عندنا؟ وقبل أن أكمل شرح ذلك أورد كلام ابن تيمية بنصه حتى لا يقال أنت أتيت بكلام أحد أتباعه، يقول ابن تيمية في كتابه شرح حديث النزول لابن تيمية (2/ 117): "وليس نزوله كنزول أجسام بني آدم من السطح إلى الأرض، بحيث يبقى السقف فوقهم،بل اللّه منزه عن ذلك" وهذا عين ما قاله شارحه الشيخُ البدر، فتأمل حين يقول "وليس نزوله كنزول أجسام...." هذا ما يقوله أصحابنا أيضا، وابن تيمية أقام الدنيا عليهم حين كانوا يقولون مثل هذا الكلام فلِمَ وافقهم هنا؟
في الواقع كما قيل في المثل: مكره أخاك لا بطل، ابن تيمية لم يقل هذه العبارة من فراغ أو حباً في موافقة الأشاعرة، بل وجدها الملجأ الأخير ليخلص من التعارض الحاصل بين الاستواء والنزول والنصوص التي جاءت في كليهما بعد أن حملهما ابن تيمية على ظاهرهما كما سبق بيانه في الحالة الأولى.
وخلاصة مقاربة ابن تيمية في هذا التعارض هو ما زعمه من أن الله مستو على العرش بذاته وينزل بذاته ولا يخلو منه العرش حين ينزل وفاء بمذهبه في الصفات وأنها تُحمل على المعنى الظاهر الحسي؛ ولكن هذا القول الذي خَلَص إليه غيرُ مفهوم إذ كيف يَنزل بذاته ولا يخلو منه العرش لا سيما مع قوله أن نزوله نزول بنقلة وحركة، ومَن يَنف النُقلة والحركة عن نزوله ـ كقول أصحابنا ـ فهو مبتدع عند ابن تيمية، فكيف يَنزل بنُقلة وحركة ولا يخلو منه العرش؟
إن معنى النزول الحسي هو الانتقال من المكان العالي إلى المكان السافلوهذا يعني ببساطة أن من ينزل من فوق إلى تحته يخلو منه الفوق ويصير في التحت؟ فكيف جمع ابن تيمية بين استوائه على عرشه ونزوله بذاته دون أن يخلو منه العرش؟ هذا لا يستقيم مطلقا؟
والواقع أن هذا التناقض أدركه ابنُ تيمية فلجأ إلى عبارة الأشاعرة وهي أن نزول الله ليس كنزول الأجسام، وذلك ليفر ويخلص من هذا التناقض،وليحافظ على الجمع بين إثبات صفتي الاستواء والنزول بعد أن حملهما على ظاهرهما الحسي؟ 
ولكن عبارة الأشاعرة هنا لن تنفعه؛ لأن الأشاعرة يستخدمون هذه العبارة لينفوا عن الله النزول الحسي للأجسام ويثبتوا نزولا معنويا، لأن الله عندهم ليس بجسم، وأما ابن تيمية الذي يثبت نزولا حسيا بنقلة وحركة من فوق إلى تحت، ولا ينفي عن الله الجسمية بل يعتبر نفيه بدعة، فماذا تنفعه هذه العبارة؟ على العكس تماما فهي تقوض مذهبه برمته الذي أفنى عمره ليشيده، وتُبطل نكيرَه على الأشاعرة في تأويلهم لنصوص الصفات، وبيان ذلك:
إنه حين يقول ابن تيمية إن نزوله تعالى ليس كنزول الأجسام، وحين يقول الشيخ البدر شارحا لكلام ابن تيمية: "ولا يشبه نزوله سبحانه نزول المخلوقين ...".اهـ فنحن لا نقول أكثر من هذا في النزول، إذ نحن نقول إننزول الباري لا يشبه نزول المخلوقين فإذا كان الخلق ينزلون بانتقالٍ من علو إلى سفل فنزوله منزه عن ذلك، فهو ينزل بلا حركة ولا انتقال.
فإن قلتم: هذا تأويل بل تحريف للنزول، لأن النزول في لغة العرب لا يكون إلا بنقلة وحركة من فوق إلى تحت،

قلنا: وأيضا النزول في لغة العرب لا يكون إلا بخلو النازل من مكانه العالي وحلوله في المكان النازل، فأما أن يَنزل من فوق إلى تحت ولا يخلو منه فوق حين ينزل إلى تحت: فهذا لا تعرفه العرب،
وبالتالي يكون قولكم في النزول تحريف لحديث النزول، بل تحريفكم أوضحلأننا حَمَلنا النزول في الحديث على النزول المعنوي وهذا ثابت في لغة العرب وله شواهد كثيرة*، وأما تفسيركم للنزول بأنه لا يخلو منه العرش فلا يشهد له عرب ولا عجم.
فإن قلتم: نعم إن النزول في لغة العرب يلزم منه خلو النزول من مكانه العالي وحلوله في المكان السافل، ولكن هذا النزول إنما هو في حق المخلوق ونزول الله لا يماثل نزول المخلوقات، فالله قادر على أن ينزل ولا يخلو منه العرش على "حد تعبير ابن عثيمين".
قلنا: وكذلك نقول إن النزول في لغة العرب يلزم منه النقلة والحركة من المكان العالي إلى السافل ولكن هذا في حق المخلوقين فأما نزوله تعالى فلا يماثل نزول المخلوقين، بل نزوله من غير حركة ولا انتقال، والله قادر على أن ينزل دون حركة وانتقال، كقولكم تماما، وما هو جوابكم هو جوابنا.
وكذلك نقول في سائر الصفات، فمجيؤه بلا حركة وانتقال، وكذلك الاستواء فهو استوى بدون استقرار ولا جلوس، وله يدان دون أن تكونا جارحتين،ويتكلم دون حرف أو صوت، لأن هذه أي الحركة والانتقال والجوارح والحرف والصوت كلها من لوازم المخلوقين، والله لا يماثلهم، بل هو قادر على أن يتصف بالصفات دون هذه اللوازم، تماما كما قلتم إنه ينزل ولا يخلو منه العرش، وما هو جوابكم هو جاوبنا.
أرأيتم أحبابي كيف هدم ابنُ تيمية مذهبَه، وأبطلَ نكيره على أصحابنا بمجرد قوله إن نزوله تعالى ليس كنزول المخلوقين، وإنه ينزل ولا يخلو منه العرش.
ولقد أدرك ابنُ القيم هذه الورطة الكبيرة التي وقع فيها ابن تيمية، فخالف شيخه في المسألة ـ مع أنه أَلْزمُ لشيخه من ظِلّه فلا يكاد يخالفه قط ـ

وقال: ينزل ولا نقول يخلو منه العرش ولا نقول لا يخلو، وهذا مذهب الشيخ عبد الغني المقدسي كما في النص أعلاه.

والواقع أن هذا ما مال إليه معظم السلفية المعاصرة كابن عثيمين وغيره، بل إن الأخير اعتبر السؤال عن الخلو وعدمه بدعة لم يتكلم فيها الصحابة.ولكن هذا لا يحل أصل الإشكال هو الجمع بين ظاهر أية الاستواء وحديث النزول، فإما أن تقولوا يخلو منه العرش حين ينزل وهذا قول ابن مندة،ولكن عبد الغني وابن تيمية وأتباعه قالوا هذا قول باطل وبدعة، مع أن ابن تيمية حكى قول ابن مندة كأحد الأقوال الثلاثة لأهل الحديث، وهم عنده أهل السنة، فكيف هو قول لأهل السنة ويكون باطلا؟
وإما أن تقولوا: لا يخلو منه العرش، وهو قول ابن تيمية، وهذا القول هو عند عبد الغني بدعة أيضا واعتبره ابن مندة قولا باطل وصنف كتابا في رده كما سبق**؛

وقد رأينا أنه قول يهدم مذهب ابن تيمية في الصفات، لذلك تركه ابن القيم وابن عثيمين وكثير من السلفية***.
وإما أن تقولوا : لا نقول يخلو ولا نقول لا يخلو منه العرش ولا نُفكّر بذلك أصلا بل هو بدعة، وهذا اختاره ابن القيم وابن عثيمن، ولكن يَرِدُ عليهنفس الإشكالات السابقة بعينها، إذ سنقول لكم: إنكم قلتم: إن النزول في الحديث يُحمل على ظاهره في لغة العرب وهو النزول الحسي.
ولكن النزول الحسي في لغة العرب لا يكون إلا بانتقال من فوق إلى تحت مع خلو من فوق وحلول إلى تحت،

فإذا قلتم: إنه ينزل وتوقفتم عن الجزم بأنه يخلو من العرش بعد أن ينزل فقد تَنَكبتم عن لغة العرب وحرفتموها وأتيتم بمعنى لا تعرفه العرب؛ وحينها فنحن أيضا لا بأس بأن نخالف لغة العرب ونحمل النزول على المعنى الذي نريد، وما هو جوابكم هو جوابنا، هذا إذا سلمنا أن النزول المعنوي الذي ذهبنا إليه ليس من لغة العرب؛ والسلام.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــ
* كقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح: 4]، وحديث البخاري: " أن الأمانة نزلت من السماء في جذر قلوب الرجال".
** فانظر إلى الأقوال الثلاثة في الخلو من العرش وعدمه والتوقف التي حكاها ابن تيمية وزعم أنها لأهل الحديث أو لأهل السنة أو أن بعضها للسلف 

منقول للدكتور وليد الزبر 

ابن عثيمين ونقده لقصيدة البردة والرد عليه


 الرد على الشيخ ابن عثيمين في نقده لأبيات في البردة البوصيرية
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وبعد

في الوقت الذي يجب فيه وأد الخلافات، والوقوف صفاً واحداً أمام هجمات أعداء الإسلام، التي تحاصر وتحاول القضاء على جذوة هذا الدين في القلوب

يأبى على فريق من الناس إلا نكأ جراح الأمة وإثارة الخلافات العقدية والمذهبية، بدافع سوء الظن بالأمة الإسلامية ورميها بالشرك والضلال، دون تعقل أوفهم. وإنما ركوباً لمسالك الهوى وعصبية في الرأي، وشططاً في التفكير

ولا تمر فترة من الفترات، إلا ونسمع أو نقرأ هذه الأفكار وتقرع الأسماع، وتؤذي الأبصار، وتضلل العامة بأفكارها المسمومة، وتخدع الشباب بمعسول الدعاوي والتباكي على السنة.

فينبغي أن توضح حقيقة هذه الأمور، وما فيها من خطل تدفع وهم المتوهمين، وتذهب الحيرة عن نفوس المسلمين، وتبين لهم الحق من الباطل والعادل من الغائل

وقد أثيرت منذ فتة ضجة تبعاً لما كتبه الأستاذ الشيخ ابن عثيمين رحمه الله حول بعض أبيات البردة للإمام العارف بالله البوصيري التي رددها ويرددها المسلمون منذ عدة قرون مستحسنين ما فيها من مدح لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم نجد أحداً ينكر ما فيها ، بل الكل مستحسن لها ، فكان هذا الاستحسان من الأمة تلقياً بالقبول لهذه القصيدة المباركة

أما الشيخ العثيمين رحمنا الله وإياه لا يرضيه هذا التلقي وينتقد البوصيري في الأبيات التالية :

يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به
سواك عند حلول الحادث العمم

إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي
فضلاً وإلا فقـل يا زَلَّة القـدم

فإن من جودك الدنيا وضرتها
ومن علومك علـم اللوح والقلم


فقال العثيمين :
" مثل هذه الأوصاف لا تصح إلا لله – عز وجل – وأنا أعجب لمن يتكلم بهذا الكلام إن كان يعقل معناه كيف يسوغ لنفسه أن يقول مخاطباً النبي – عليه الصلاة والسلام- فإن من جودك الدنيا وضرتها.
(ومن) للتبعيض، والدنيا هي الدنيا وضرتها هي الآخرة، فإذا كانت الدنيا والآخرة من جود الرسول عليه الصلاة والسلام وليس كل جوده فما الذي بقي لله عز وجل؟

ما بقي له شيء من الممكن لا في الدنيا ولا في الآخرة وكذلك قوله:"ومن علومك علم اللوح والقلم".
ومن هذه للتبعيض ولا أدري ماذا يبقى لله تعالى من العلم إذا خاطبنا الرسول عليه الصلاة والسلام بهذا الخطاب؟"
انتهى كلام الشيخ العثيمين بلفظه، وفقنا الله وإياه للصواب


وقبل أن نخوض في الرد التفصيلي عن تلك الشبهات والإثارات نتساءل:

وبادئ ذي بدء يجب أن نعلم أن علم الله ليس محدوداً ولا محصوراُ وهو ليس مخلوق كاللوح والقلم ، وبالتالي فإن ما سطره الشيخ فيه من الخطورة على العقيدة ما فيه ، وهنا يقف الإنسان مندهشاً أمام هذا الكلام، أيعي الشيخ حقاً ما قاله أم هي زلة لسان، لم ينتبه لها بعد ذلك؟

ومع أن هذا الكلام نشر في مجلة ثم جمع في كتاب، ومن اللازم أن يعرض عليه ليوافق على نشره، فكيف سمح لنفسه أن يتصور صفات الله سبحانه وتعالى بهذه المحدودية وهذا الحصر؟.

فكلنا نعلم أن من الأمور التي يجب أن تكون راسخة في عقيدة المسلم، أن صفات الله عز وجل غير متناهية ولهذا ندرك خطورة أي كلام ينطوي على نعت العلم أو الكرم الإلهي، بما يماثل صفة العلم أو الكرم في الخلْق.

فهما في الخلْق صفتان متناهيتان، أما بالنسبة لله تعالى فصفاته غير متناهية، وإلا لصدق أن يوصف بالعجز والجهل لأن التناهي يصدق عليهما، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فَمَنْ وصف صفات الله عز وجل بالتناهي، فقد أساء إساءة كبيرة وخطيرة تمس العقيدة الإسلامية.

وتعال معي إلى ما كتبه ابن عثيمين ونصه :

" فإذا كانت الدنيا والآخرة من جود الرسول عليه الصلاة والسلام وليس كل جوده، فما الذي بقي لله عز وجل ؟ ما بقي له شيء من الممكن لا في الدنيا ولا في الآخرة"؟!!!
لعلك أخي القارئ أدركت خطورة هذا الفهم للصفات الإلهية.

وخطورةُ هذا الكلام – لمن لم يدرك حتى الآن مكمن الخطورة فيه – تكمن في تحديد دائرة الجود والكرم الإلهي في نطاق الخلق، وهذا يدل على محدودية هذه الصفة، والحد من تعلق هذه الصفة في الجائزات يفضي إلى تصور الحصر في الذات الإلهية، وهذا يتنافى مع تنـزيه الخالق سبحانه وتعالى، ويتنافى مع ما يجب اعتقاده من كمال الله عز وجل، الذي لا يحد كرمه، ولا يحصر جوده، ولا يعجزه إيجاد مسالك لكرمه وجوده

ولا أدري كيف يفهم قول الله تعالى كما ورد في الحديث القدسي الجليل، الذي خَرَّجه مسلم والترمذي وابن ماجه ، عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه وفيه :"… لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجِنَّكم، قاموا على صعيد واحد، فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك من ملكي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر".

ونقص المخيط من البحر هو من باب التمثيل، للتقريب للأذهان، وإلا فلا نسبة هنا وإن دقت – تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً –

فَتَوَهُّمُ أن الجود الإلهي منحصر في الدنيا والآخرة فقط، معارض لأمثال هذا النص المتقدم، الذي يفيد:" أن جود الله لا يتناهى، ولا يحد، ولا يعد، وإذا كانت الدنيا والآخرة – وهما مما يتصور من سؤال الإنس والجن – لا تُنقصان ملك الله عز وجل إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر فكيف يصح لمسلم أن يفهم أن الجود والكرم الإلهي محدود بهما؟
وأين باقي هذا البحر الذي لم يذهب منه إلا ما أنقصه المخيط؟ …
سبحان الله وتبارك وتقدس أن يحد كرمه، أو أن يماثله شيء من خلقه.

ومنشأ الخطأ – عند الشيخ – هو تصوره أن علم الله تعالى محدود باللوح والقلم أو الدنيا والآخرة؟!

ولا أدري كيف يتصور عاقل فطن أن اللوح والقلم، وهما مخلوقان من خلق الله يستوعبان علم الله تعالى، فيحصر – بهذا التصور – العلم والقدرة الإلهيين فيهما

فسبحان الله، لعل الشيخ نسي قصة الخضر الثابتة في الصحيح:"…… فمرت بهما سفينة فكلموهم أن يحملوهما، فعُرِف الخضرُ فحملوهما بغير نول، فجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر نقرة أو نقرتين في البحر، فقال الخضر : يا موسى، ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كنقرة هذا العصفور في البحر…"

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:"وقد وقع في رواية ابن جريج بلفظ أحسن سياقاً:"ما علمي وعلمك في جنب علم الله إلا كما أخذ هذا العصفور بمنقاره من البحر".
وهذا من باب إيضاح المعنى بالمثال، وإلا فعلم الله لا يحد كما يحد البحر مهما عظم واتسع

يقول ربنا عز وجل: (قل لو كان البحر مداداً لكمات ربي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً) الكهف 10.

ملاحظات على كلام الشيخ العثيمين

مادام الشيخ فهم أن العلم محصور باللوح والقلم فأين كان علم الله قبل خلقهما، سبحانه وتعالى لا يوصف بأين ولا ينعت بكيف.
ثم ألم يفطن هداه الله إلى أن حصر العلم في المتناهي من صفات علم المخلوقين وهذا تشبيه للباري بخلقه؟
وهو يعلم خطورة التشبيه في العقيدة الإسلامية وموقف علماء الإسلام من المشبهة

فإذا كان قصد المؤلف دفع غائلة وصف المخلوقين بصفة من صفات الخالق، تنـزيهاً وتقديساً للباري سبحانه، فإن الأخطر من ذلك هو أن نصف الباري تعالى بصفات المخلوقين، كما حصل للشيخ المذكور، وكأنه بجعله العلم محصوراً في عالم الدنيا والآخرة غفل عن قوله تعالى : (إن الله كان بكل شيء عليماً) ( النساء 32)
وقوله تعالى : (وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً) (الإسراء 36)
واللوح والقلم شيئان من الأشياء الكثيرة التي خلقها الله تعالى …
وكأنه غفل عن قوله عليه الصلاة والسلام :
"إن أول ما خلق الله القلم فقال له : اكتب فقال : رب وماذا أكتب؟ قال : اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة ."

ومن الواضح أن ما بعد يوم القيامة من عوالم لم يسجلها القلم كما يفهم من هذا الحديث، فما المانع أن يطلع الله من شاء من خلقه على هذه العوالم التي لم يسجلها القلم، ولم تحفظ في اللوح المحفوظ، ولا سيّما حبيبه ورسوله وخاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم وخاصة أن نصوصاً كثيرة جاءت لتكشف عن ذلك وسيأتي ذكرها.

والمشكلة عند ابن عثيمين ومن معه أنهم يخلطون بين الأسباب ومسبباتها، ولا يفرقون بين السبب الظاهر والسبب الخفي، ويغفلون عن أن الله تعالى ربط الأسباب بالمسببات.

والعجب أننا نجد الشيخ ابن عثيمين – غفر الله لنا وله – يناقض نفسه بفتوى أخرى عندما يسأل عن قول الصحابة "الله ورسوله أعلم"
فأجاب بقوله: قولهم "الله ورسوله أعلم" جائز، وذلك لأن علم الرسول من علم الله، فالله تعالى هو الذي يُعلِّمه ما لا يدركه البشر، ولهذا أتى بالواو

توضيح الأبيات كما فهمها العلماء الثقات

والآن ماذا يعني البوصيري رحمه الله تعالى بهذه الأبيات، وهل كفر هو من أُعجب بقصيدته وأحبها ؟ كما أفتى ابن عثيمين

فالعشرات من الأعلام والعلماء الراسخين في العلم والذين لسنا أهلاً لمجاراتهم لا أنا ولا ابن عثيمين شرحوا هذه القصيدة وتفننوا في شرحها وتخميسها وتسبيعها فهل كلهم دعاة إلى الشرك الأكبر ؟

وتداولها العلماء الأعلام كابراً عن كابرٍ وهل كلهم جهل ما فهمه ابن عثيمين؟!

وقانا الله مزالق الردى، وحفظنا من سبق الوهم، ورسوخه في النفس، وعافانا من الشذوذ عن السواد الأعظم لهذه الأمة

أما قوله :

يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به
سواك عند حلول الحادث العمم

ولن يضيق رسول الله جاهك بي
إذا الكريم تجلى باسم منتقم


قال الشيخ العلامة النحوي خالد الأزهري شارحاً هذا البيت :
(يا أكرم كل مخلوق مالي غيرك ألتجئ إليه يوم القيامة من هوله العميم، والخلق متطلعون إلى جاهك الرفيع، وجنابك المنيع، ولن يضيق بي جاهك يا رسول الله إذا اشتد الأمر وعيل الصبر وانتقم الله تعالى ممن عصاه...)

والناظم، هنا يتحدث عن موقف المقام المحمود الذي يقفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما تدنو الشمس من الخلائق، ويطول الأمر بالناس وهم في خوف وضجر وقلق شديد، حتى يتمنى الكفار أن يُذهب بهم ولو إلى النار، فيلجئون إلى الأنبياء بدءاً من آدم ثم نوح فإبراهيم فموسى فعيسى عليهم الصلاة والسلام، وكلهم يعتذر، ويأبى الشفاعة، ولا تهمه إلا نفسه في ذلك الموقف
ثم يلجئون إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيقول : أنا لها..

والشاعر يذكر رسول الله بهذه الخصوصية الجليلة العظيمة التي دلت عليها الأحاديث الصحيحة وفي الحديث :
"فيلهمني الله محامد لا أقدر عليها الآن فأحمده بتلك المحامد، ثم يقال : يا محمد ارفع رأسك، وسل تعطه واشفع تشفع…" الحديث

والإمام البوصيري رحمه الله يذكر الشفاعة الكبرى التي دلت عليها الأحاديث الصحيحة وهي خاصة بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

فهل في هذا ما يمس العقيدة في شيء؟.
بل هل هذا إلا محض الإيمان؟


والإيمان بالشفاعة من الأمور التي يتميز بها أهل السنة والجماعة بخلاف بعض المبتدعة الذين أنكروا شفاعته صلوات الله وسلامه عليه

ولا أدري إن كان بعض الناس يثيره أن يوصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنه أكرم الخلق …؟؟!

علماً بأن هذه الخصوصية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من المسَلَّمات عند المسلمين، والأحاديث التي تؤكد هذا المعنى كثيرة جداً مثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم:
"أنا أكرم ولد آدم على ربي" أخرجه الترمذي والدارمي
ومثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم :"أنا سيد ولد آدم يوم القيامة."

وأما قوله : مالي من ألوذ به، فهو من الأمور المسلمة عند من يقرأ أو قرأ حديث الشفاعة العامة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد تقدمت الإشارة إليه، وهذا المقام الكريم ثابت لرسول الله في القرآن قبل السنة،
قال الله تعالى ( ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً)

وقد يسأل متحذلق: لم لا يلجأ الإنسان إلى الله تعالى مباشرة في ذلك اليوم؟
والجواب كما بينه الناظم بقوله : ( إذا الكريم تجلى باسم منتقم)

ففي ذلك المقام لا يجرؤ أحد من الناس بمن فيهم الأنبياء على طلب أي شيء فيه تخفيف أو رحمة من الله تعالى لشدة غضبه الذي يصفه الأنبياء جميعاً بقولهم :
"إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله"كما هو في حديث الشفاعة

إذاً لابد من شافع، وهذا الشافع هو الحبيب الأعظم والسيد المكرم سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وتأمل حديث الشفاعة تجد هذا بيناً واضحاً لا ريب فيه ولا شك ولا لبس

وأما قول الناظم رحمه الله تعالى:
فإن من جودك الدنيا وضرتها
ومن علومك علم اللوح والقلم

قال الشيخ خالد الأزهري :

"وإِنّ خيري الدنيا والآخرة من جودك، وعلمي اللوح والقلم من علمك، وأنت الحقيق بذلك، والمعول في الشفاعة عليك".

وقال الشيخ إبراهيم الباجوري أحد شراح البردة وهو ممن ولي مشيخة الأزهر في القرن الثالث عشر من الهجرة: والمراد من الدنيا ما قابل الأخرى، ولذلك جعلها الناظم ضرتها، وفي كلامه تقدير مضاف إي خيري الدنيا هدايته صلى الله عليه وآله وسلم للناس، ومن خير الآخرة شفاعته صلى الله عليه وآله وسلم فيهم".

فأي إشكال في هذا الفهم يا عباد الله؟

بل إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رفض الدنيا بما فيها زاهداً فيها فضلاً عن تملكها ثم الجود بها، والأحاديث في هذا متوافرة.

أخرج أبو يعلى بإسناد حسَّنه الهيثمي عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :"يا عائشة لو شئت لسارت معي جبال الذهب."

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:
"أوتيت مفاتيح كل شيء إلا الخمس إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير"
فرفض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الدنيا واختار أن يكون عبداً يأكل يوماً ويجوع يوماً…

ثم إقدامه عليه الصلاة والسلام على الشفاعة يوم القيامة عندما يحجم الأنبياء كلهم لا تهمهم إلا أنفسهم، فيتصدى أبو القاسم صلى الله عليه وآله وسلم - بأبي هو وأمي – للشفاعة حتى يرضى الله سبحانه بعد غضبه وتزول الأهوال والشدائد عن الناس، فأي جود يريده الناس بعد ذلك؟!
بل إن رتبة الجود لتنزل عن هذه الرتبة العظيمة.

ثم إن الدنيا والآخرة وجدتا من أجل رسالة الإسلام، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يمثل هذا الإسلام، بل هو الإسلام الفعلي الواقع والدليل عليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر :
اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم فلن تعبد في الأرض

وقد قال الله تعالى:( والأرض وضعها للأنام) الرحمن 10
والأنام هم الخلق وأفضلهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فمن باب أولى أنها له صلى الله عليه وآله وسلم
وقال تعالى:( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً)البقرة 29

ثم إن الدنيا لا تعدل عند الله جناح بعوضة، كما جاء في الحديث الشريف، فلا يرضى الله عز وجل أن تكون الدنيا كل ما أعطي لحبيبه صلى الله عليه وآله وسلم

ولابد من الإشارة في شرح بيت البوصيري أيضاً:

فإن من جودك الدنيا وضرتها… إلى أن العرب استعملوا المجاز، وهو أسلوب من أساليب العربية المتفق عليه

وفي كلام الشاعر البوصيري رحمه الله تعالى في هذا البيت نجد استعماله للقرينة السببية في علاقة المجاز المرسل، فكأنه أراد: إن من جودك هداية الناس في الدنيا، وهذه الهداية موصولة لرب العالمين وهي سبب الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة، ومن جودك أيضاً الشفاعة في الآخرة، وهي علاقة مجاز على القرينة السببية
وفي القرآن الكريم : ( وينزل لكم من السماء رزقاً) غافر 13
أي ما ينزل هو الماء الذي هو سبب الرزق المتنوع الأشكال.

هل يعلم رسول الله علم اللوح والقلم ؟

وأما قوله :"ومن علومك علم اللوح والقلم" والذي استعظمه واستنكره وشنع عليه ، فإنني لا أريد من القارئ المنصف إلا التمعن في هذه الأحاديث:

1 ) جاء في الصحيحين واللفظ لمسلم عن أنس رضي الله عنه أن الناس سألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى أحفوه بالمسألة فخرج ذات يوم فصعد المنبر فقال:
" سلوني، لا تسألوني عن شيء إلا بينته لكم، فلما سمع القوم أرموا ورهبوا أن يكون بين يدي أمر قد حضر، قال أنس: فجعلت ألتفت يميناً وشمالاً فإذا كل رجل لافٌّ رأسه في ثوبه يبكي، فأنشأ رجل من المسجد، كان يلاحى فيُدعى لغير أبيه، فقال: يا نبي الله من أبي؟
قال: أبوك حذافة

ثم أنشأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال:
رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً، عائذاً بالله من سوء الفتن ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم:
"لم أر كاليوم قط في الخير والشر، إني صورت لي الجنة والنار فرأيتهما دون هذا الحائط"

2 ) روى البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:
قام فينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مقاماً فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم، وأهل النار منازلهم حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه


3 ) وروى أبو داود عن حذيفة رضي الله عنه قال:
"والله ما أدري أنسيَ أصحابي أم تناسوا، والله ما ترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعداً إلا قد سماه لنا باسمه واسم أبيه واسم قبيلته".


4 ) وفي حديث اختصام الملأ الأعلى الذي خرجه الإمام أحمد في مسنده والدرامي والترمذي والطبراني – ومما جاء فيه - … فعلمت ما في السموات والأرض وتلا:
(وكذلك نُري إبراهيمَ ملكوتَ السموات والأرض وليكون من الموقنين)(الأنعام 75)

وفي رواية : فتجلى لي كل شيء وعرفت، وفي رواية الطبراني: فعلمني كل شيء … إِلخ.
وانظر ما قاله الصحابي الجليل مالك بن عوف في وصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما ورد في الإصابة 9/64:
ما إِن رأيتُ ولا سمعتُ بواحد
في النّاس كلِّهم كمثلِ محمّد

أوفي فأعطى للجزيل لمجتدٍ
ومتى تشأ يخبرك عما في غد

ومن الواضح أن الله سبحانه وتعالى أفاض على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم من العلوم والمعارف مالا يعلمه إلا الله تعالى القائل له :
( وأنزل الله عليك الكتب والحكمة، وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً) (النساء113).

وما في الآية يدل على العموم والشمول، أي لتعم جميع العلوم التي علمها الله تعالى لرسله وأنبيائه صلوات الله وسلامه عليهم، ولتشمل غيرها من العلوم التي أفاضها الله سبحانه وتعالى عليه صلى الله عليه وآله وسلم "

فما هو وجه الإشكال إن قال قائل:"إن الله علّمه علم اللوح والقلم.
ألست ترى النص النبوي الشريف يقول لك:"فعلمني كل شيء، أو فتجلى لي كل شيء وعرفت.." الخ.

أليس اللوح والقلم شيئين من هذه الأشياء، يا سبحان الله كم من عقول تبادر إلى إنكار مالا تعرف فتقع في محاذير!!

كان من الأولى لها أن تصون نفوسها عنها، ثم أليس معرفة الجنة والنار والإخبار عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة، الجنة … الخ مما يزيد عما في اللوح والقلم، الذي لم يكتب إلا ما سيكون إلى يوم القيامة، أما ما بعد يوم القيامة فإن العلم به علم بما ليس في اللوح والقلم…

وهب أنه كتب في اللوح ما سيأتي بعد يوم القيامة، ألا يدخل علم ما يكتب في قوله:
فتجلى لي كل شيء، وعلمت ما في السموات والأرض…الخ.

فغدا من الجلي الواضح أن ما أعطاه الله لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم من العلوم يفوق ما كتب في اللوح مما خطه القلم.

ولا نقول هذا من باب العصبية لرأي أو لرجل، وإنما هي مسألة إيمانية إذ أن إعطاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حقه فيما أكرمه الله به هو من مقتضيات الإيمان به.

وأما الغلو المرفوض كقول النصارى:"عيسى ابن الله، أو حلت فيه روح الله" ونحوها من المكفرات، فهذا مرفوض مردود لا مرية فيه ولا ريب. والناظم البوصيري رحمه الله هو الذي قال لنا في بردته:

دع ما ادعته النصارى في نبيهم
واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم


وأرجو من الله تعالى أن يلهم الشيخ، بل وكل من يمسك قلماً أو يعتلى منبراً أو يلقي محاضرة، أو يبث نصيحة وموعظة، أن يتحرى جانب الصواب وبخاصة فيما يتعلق بالله تعالى، فإن مزالق الأقدام هنا خطيرة قد تودي بإيمان الإنسان نفسه…

جمع الله القلوب على محبة رسوله المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، وألهمنا جميعاً حسن الظن بالمسلمين وألف بين المسلمين الذين أصبحوا تائهين حائرين في هذه الليالي الحالكة وألهم العاملين من أجل هذا الدين، الابتعاد عن أسلوب التكفير والتضليل والتبديع، فإن هذا يزيد الجرح عمقاً، والقلوب بغضاً.

والحمد لله رب العالمين
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم
منقوووووووووول 

السبت، 15 يونيو 2013

هل الإلهام والرؤيا حجة فى الشرع ؟


 هل الإلهام حجة فى الشرع
 العلماء الربانيون الذين أثنى الله عليهم جمعوا بين نور العقل ونور القلب، وجمعوا بين نور العلم ونور الإيمان، وجمعوا بين نور الفطرة ونور النبوة، واهتدوا بصحيح المنقول، وصريح المعقول ووفقوا بين النصوص الجزئية، والمقاصد الكلية، وردُّوا الفروع إلى الأصول والمتشابهات إلى المحكمات.. العلماء الربانيون متوازنون وسطيون،
هم لا ينكرون أن يقذف الله في قلب عبدٍ من عباده نوراً يكشف له بعض المستورات والحقائق، ويهديه إلى الصواب في بعض المضايق والمواقف، بدون اكتساب ولا استدلال، بل هبة من الله تعالى، وإلهام منه،
إن هذا الإلهام أثر من آثار الإيمان العميق والعبادة الخالصة، 
والمجاهدة الجهيدة.. 
 لا ينكر العلماء الربانيون هذا الإلهام ؛لأن الله سبحانه وتعالى 
يقول:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ 
سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29) ﴾
[سورة الأنفال]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ 
(28)﴾  الحديد 

 العلماء الربانيون لا ينكرون أن يقذف الله في قلب المؤمن نوراً يكشف له الحق والباطل، والخير والشر، والصواب والخطأ، وما صح وما لا يصح، وما ينبغي، وما لا ينبغي.
 ولا نزاع أيضاً في أن الإيمان والعبادة والتقوى، ومجاهدة النفس لها أثرها في تنوير العقول، وهداية القلوب، والتوفيق إلى إصابة الحق في الأقوال، والسداد في الأعمال، والخروج من مضايق الاشتباه إلى الوضوح، ومن اضطراب الشك إلى ثبات اليقين.

وفى صحيح البخارى عن أبى هريرة عن النبى أنه قال ولا يزال عبدى يتقرب الى بالنوافل حتى أحبه فاذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها وفى رواية فبى يسمع وبى يبصر وبى يبطش وبى يمشى فقد أخبر أنه يسمع بالحق ويبصر به وكانوا يقولون ان السكينة تنطق على لسان عمر رضى الله عنه وقال من سأل القضاء واستعان عليه وكل اليه ومن لم يسأله ولم يستعن عليه أنزل الله عليه ملكا يسدده وقال الله تعالى نور على نور نور الايمان مع نور القرآن وقال تعالى أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه وهو المؤمن على بينة من ربه ويتبعه شاهد من الله وهو القرآن شهد الله فى القرآن بمثل ما عليه المؤمن من بينة الايمان وهذا القدر مما أقر به حذاق النظار لما تكلموا فى وجوب النظر وتحصيله للعلم فقيل لهم أهل التصفية والرياضة والعبادة والتأله تحصل لهم المعارف والعلوم اليقينية بدون النظر كما قال الشيخ الملقب بالكبيرى للرازى ورفيقه وقد قالا له يا شيخ بلغنا أنك تعلم علم اليقين فقال نعم فقالا كيف تعلم ونحن نتناظر
فى كلما ذكر شيئا أفسدته وكلما ذكرت شيئا افسده فقال هو واردات ترد على النفوس تعجز النفوس عن ردها فجعلا يعجبان من ذلك ويكرران الكلام وطلب أحدهما أن تحصل له هذه الواردات فعلمه الشيخ وأدبه حتى حصلت له وكان من المعتزلة النفاة فتبين له أن الحق مع أهل الاثبات وان الله سبحانه فوق سمواته وعلم ذلك بالضرورة رأيت هذه الحكاية بخط القاضى نجم الدين أحمد بن محمد بن خلف المقدسى وذكر أن الشيخ الكبيرى حكاها له وكان قد حدثنى بها واحد حتى رأيتها بخطه وكلام المشايخ فى مثل هذا كثير وهذا الوصف الذى ذكره الشيخ جواب لهم بحسب ما يعرفون فانهم قد قسموا العلم الى ضرورى ونظرى والنظرى مستند الى الضرورى والضرورى هو العلم الذى يلزم نفس المخلوق لزوما لا يمكنه معه الانفكاك عنه هذا حد القاضى أبى بكر بن الطيب وغيره فخاصته أنه يلزم النفس لزوما لا يمكن مع ذلك دفعه فقال لهم علم اليقين عندنا هو من هذا الجنس وهو علم يلزم النفس لزوما لا يمكنه مع ذلك الانفكاك عنه وقال واردات لأنه يحصل مع العلم طمأنينة وسكينة توجب العمل به فالواردات تحصل بهذا وهذا وهذا قد اقر به كثير من حذاق النظار متقدميهم كالكيا الهراسى والغزالى
 ولا نزاع أيضاً في أن الله يكشف لبعض المتقين من عباده حقائق العلم، وأنوار المعرفة، في فهم كتاب الله وسنة نبيه، بمحض الفيض الإلهي، والفتح الرباني، ما يلهث كثيرون ليحصلوا عليه بالمذاكرة والتحصيل، يقول سيدنا عمر رضي الله عنه: اقتربوا م أفواه المطيعين، واسمعوا منهم ما يقولون، فإنهم تنجلي لهم أمور صادقة.
 ولكن إذا كان علم المنطق يضبط حركة العقل، وعلم أصول الفقه يضبط الاستدلال، هذا الإلهام كيف نضبطه ؟.. هل يُترك الإلهام فوضى فيبقى بابه مفتوحاً لمن هب ودب، ولمن تخيل واختال، ولمن لا يميز بين إلهام الملك ونفس الشيطان، أو لمن ادعى الوصول ولم يرع الأصول، أو لكل دجال يشتري الدنيا بالدين، ويتبع غير سبيل المؤمنين..
 علم المنطق ضبط حركة العقل، وعلم أصول الفقه، ضبط الاستدلال، أما أن يبقى الإلهام مفتوحاً بابه، بلا ضوابط، وبلا قيود عندئذ يختلط الحق بالباطل، ويضيع أمر الدين..
 الإلهام لا يُعتد به، ولا نعبأ به، ولا نأخذ به إذا خرم قاعدة شرعية أو حكماً شرعياً، هو ليس حقاً بذاته، هو إما خيال، أو وهم، أو إلقاء من شيطان، أو كشف من رحمان، فإذا عارض الإلهام ما هو ثابت في التشريع، الذي هو عام، وليس خاصاً، ولا ينخرم بالإلهام أصل التشريع، ولا ينكسر اطراده، ولا يُستثنى من الدخول تحت حكمه أحد، إن كان الإلهام موافقاً لقواعد الشرع، وأصول الدين نأخذ به في المباحات، أما إذا خالف قاعدة شرعية، أو خرم حكماً فقهياً أو كسر اطراد قاعدة، عندئذ لا نعبأ به ولا نأخذ به، شأنه شأن الرؤيا التي تخالف نصاً تشريعياً، بل إن الإنسان لو ـ افتراضاً ـ رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمره بترك حلال، أو أخذ حرام تُردُّ الرؤيا عليه، ويثبت الشرع.. أولى، ولأن الله سبحانه وتعالى يقول: 
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً (36)﴾
[سورة الإسراء]
 لابد من علم، لابد من دليل..
 وإن الإجماع، إجماع الأمة التي لا تجتمع على خطأ كما قال العلماء قالوا: الإلهام: إلقاء ما يُفرق به بين الضلال والهدى، ما يلقى في الروع بطريق الفيض، إلقاء في النفس أمراً يبعث على الفعل والترك.


قال ابن تيمية كما في المنتخب من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية
- (1 / 159)
((وإذا كان القلب معموراً بالتقوى انجلت له الأمور وانكشفت، بخلاف القلب الخراب المظلم، قال حذيفة بن اليمان: إن في قلب المؤمن سراجاً يزهر. وفي الحديث الصحيح: (إن الدجال مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن قارىء وغير قارىء) ؛ فدل على أن المؤمن يتبين له ما لا يتبين لغيره، ولا سيما في الفتن، وينكشف له حال الكذاب الوضاع على الله ورسوله؛ فإن الدجال أكذب خلق الله، مع أن الله يجري على يديه أموراً هائلة ومخاريق مزلزلة، حتى إن من رآه افتتن به، فيكشفها الله للمؤمن حتى يعتقد كذبها وبطلانها.وكلما قوي الإيمان في القلب قوي انكشاف الأمور له وعرف حقائقها من بواطلها، وكلما ضعف الإيمان ضعف الكشف، وذلك مثل السراج القوي والسراج الضعيف في البيت المظلم، ولهذا قال بعض السلف في قوله: {نُورٌ عَلَى نُورٍ}؛ قال: هو المؤمن ينطق بالحكمة المطابقة للحق وإن لم يسمع فيها بالأثر، فإذا سمع فيها بالأثر كان نوراً على نور؛ فالإيمان الذي في قلب المؤمن يطابق نور القرآن؛ فالإلهام القلبي تارة يكون من جنس القول والعلم، والظن أن هذا القول كذب، وأن هذا العمل باطل، وهذا أرجح من هذا أو هذا أصوب.وفي الصحيح عن النبي (؛ قال: قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي منهم أحد فعمر)، والمحدث: هو الملهم المخاطب في سره، وما قال عمر لشيء: إني لأظنه كذا وكذا؛ إلا كان كما ظن، وكانوا يرون أن السكينة تنطق على قلبه ولسانه.
وأيضاً؛ فإذا كانت الأمور الكونية قد تنكشف للعبد المؤمن لقوة إيمانه يقيناً وظناً؛ فالأمور الدينية كشفها له أيسر بطريق الأولى؛ فإنه إلى كشفها أحوج، فالمؤمن تقع في قلبه أدلة على الأشياء لا يمكنه التعبير عنها في الغالب، فإن كل أحد لا يمكنه إبانة المعاني القائمة بقلبه، فإذا تكلم الكاذب بين يدي الصادق عرف كذبه من فحوى كلامه، فتدخل عليه نخوة الحياء الإيماني فتمنعه البيان، ولكن هو في نفسه قد أخذ حذره منه، وربما لوح أو صرح به خوفاً من الله وشفقةً على خلق الله ليحذروا من روايته أو العمل به. وكثير من أهل الإيمان والكشف يلقي الله في قلبه أن هذا الطعام حرام، وأن هذا الرجل كافر أو فاسق أو ديوث أو لوطي أو خمار أو مغن أو كاذب من غير دليل ظاهر، بل بما يلقي الله في قلبه.وكذلك بالعكس، يلقي في قلبه محبة لشخص، وأنه من أولياء الله، وأن هذا الرجل صالح، وهذا الطعام حلال، وهذا القول صدق؛ فهذا وأمثاله لا يجوز أن يُستبعد في حقِّ أولياء الله المؤمنين المتقين
.)) اهـ.

ويقول في جامع الرسائل - (1 / 22)

((وأما خواص الناس فقد يعلمون عواقب أقوام بما يكشفه الله لهم، لكن ليس هذا مما يجب التصديق العام به فإن كثيراً مما يظن به أنه حصل له هذا الكشف يكون ظاناً في ذلك ظناً لا يغني من الحق شيئاً، وأهل المكاشفات والمخاطبات يصيبون تارة ويخطئون أخرى كاهل النظر والاستدلال في موارد الاجتهاد ))اهـ.

يقول العلامة ابن القيم رحمه الله
(وللفراسة سببان:
أحدهما: جودة ذهن المتفرس وحدة قلبه وحسن فطنته.
والثاني: ظهور العلامات والأدلة على المتفرس فيه فإذا اجتمع السببان لم تكد تخطىء للعبد فراسة وإذا انتفيا لم تكد تصح له فراسة وإذا قوي أحدهما وضعف الآخر: كانت فراسته بين بين.
وكان إياس بن معاوية من أعظم الناس فراسة وله الوقائع المشهورة.
وكذلك الشافعي رحمة الله وقيل: إن له فيها تآليف. 

 (2 / 489):

ابن القيم في مدارج السالكين


((ولقد شاهدت من فراسة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أمورا عجيبة وما لم أشاهده منها أعظم وأعظم ووقائع فراسته تستدعي سفرا ضخما:

ـ أخبر أصحابه بدخول التتار الشام سنة تسع وتسعين وستمائة.
ـ وأن جيوش المسلمين تكسر.
ـ وأن دمشق لا يكون بها قتل عام ولا سبي عام.
ـ وأن كلب الجيش وحدته في الأموال.
وهذا قبل أن يهم التتار بالحركة

ـ ثم أخبر الناس والأمراء سنة اثنتين وسبعمائة لما تحرك التتار وقصدوا الشام : أن الدائرة والهزيمة عليهم. 

ـ وأن الظفر والنصر للمسلمين وأقسم على ذلك أكثر من سبعين يمينا.
فيقال له : قل إن شاء الله فيقول : إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا . وسمعته يقول ذلك قال : فلما أكثروا علي قلت : لا تكثروا كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ : أنهم مهزومون في هذه الكرة وأن النصر لجيوش الإسلام
)) اهـ.
هكذا تكلم بن تيمية 

فهل بلغ القائلون بالكشف ما بلغه ابن تيمية 

حتى أنه خرق الحجب كلها وعلم ما كتب في اللوح المحفوظ؟؟!!
قال: وأطعمت بعض الأمراء والعسكر حلاوة النصر قبل خروجهم إلى لقاء العدو. وكانت فراسته الجزئية في خلال هاتين الواقعتين مثل المطر.
ولما طلب إلى الديار المصرية وأريد قتله بعد ما أنضجت له القدور وقلبت له الأمور: اجتمع أصحابه لوداعه وقالوا: قد تواترت الكتب بأن
القوم عاملون على قتلك فقال: والله لا يصلون إلى ذلك أبدا.
قالوا: أفتحبس قال: نعم ويطول حبسي ثم أخرج وأتكلم بالسنة على رؤوس الناس. سمعته يقول ذلك.
ولما تولى عدوه الملقب بالجاشنكير الملك أخبروه بذلك وقالوا: الآن بلغ مراده منك فسجد لله شكرا وأطال.
فقيل له: ما سبب هذه السجدة فقال: هذا بداية ذله ومفارقة عزه من الآن وقرب زوال أمره فقيل له: متى هذا فقال: لا تربط خيول الجند على القرط حتى تغلب دولته فوقع الأمر مثل ما أخبر به سمعت ذلك منه.
وقال مرة: يدخل علي أصحابي وغيرهم فأرى في وجوههم وأعينهم أمورالا أذكرها لهم فقلت له: أو غيري لو أخبرتهم فقال: أتريدون أن أكون معرفا كمعرف الولاة.
وقلت له يوما: لو عاملتنا بذلك لكان أدعى إلى الاستقامة والصلاح فقال: لا تصبرون معي على ذلك جمعة أو قال: شهرا.
وأخبرني غير مرة بأمور باطنة تختص بي مما عزمت عليه ولم ينطق به لساني.
وأخبرني ببعض حوادث كبار تجري في المستقبل ولم يعين أوقاتها وقد رأيت بعضها وأنا أنتظر بقيتها وما شاهده كبار أصحابه من ذلك أضعاف أضعاف ما شاهدته والله أعلم).
انتهى كلام العلامة ابن القيم

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في "البداية والنهاية" : (وتوجه الشيخ تقي الدين ابن تيمية إلى العسكر الواصل من حماة ، فاجتمع بهم في القطيفة ، فأعلمهم بما تحالف عليه الأمراء والناس من لقاء العدو ، فأجابوا إلى ذلك ، وحلفوا معهم ، وكان الشيخ تقي الدين ابن تيمية يحلف للأمراء والناس : إنكم في هذه الكرة منصورون على التتار ، فيقول له الأمراء : قل إن شاء الله ، فيقول : إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا ، وكان يتأول في ذلك أشياء من كتاب الله ، منها قوله تعالى : ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله إن الله لعفو غفور [ الحج : 60 ] . ) أهـ

هل الإلهام حجة في الشرع؟
قال ابن النجار الفتوحي الحنبلي في شرح الكوك المنير : ( بِإِلْهَامٍ ) ..... ( وَهُوَ مَا يُحَرِّكُ الْقَلْبَ بِعِلْمٍ يَطْمَئِنُّ ) الْقَلْبُ ( بِهِ ) أَيْ بِذَلِكَ الْعِلْمِ حَتَّى ( يَدْعُوَ إلَى الْعَمَلِ بِهِ ) أَيْ بِالْعِلْمِ الَّذِي اطْمَأَنَّ بِهِ ( وَهُوَ ) أَيْ الْإِلْهَامُ ( فِي قَوْلٍ : طَرِيقٌ شَرْعِيٌّ ) حَكَى الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي الْإِلْهَامِ : هَلْ هُوَ طَرِيقٌ شَرْعِيٌّ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ .
وَحُكِيَ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ : أَنَّ بَعْضَ الصُّوفِيَّةِ قَالَ بِهِ .
وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ نَقْلًا عَنْ أَبِي زَيْدٍ الدَّبُوسِيِّ، وَحَدَّهُ أَبُو زَيْدٍ بِأَنَّهُ مَا حَرَّكَ الْقَلْبَ بِعِلْمٍ يَدْعُوك إلَى الْعَمَلِ بِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِدْلَالٍ وَلَا نَظَرٍ فِي حُجَّةٍ .
وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ : هُوَ حُجَّةٌ بِمَنْزِلَةِ الْوَحْيِ الْمَسْمُوعِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم . وَاحْتَجَّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } ) أَيْ عَرَّفَهَا بِالْإِيقَاعِ فِي الْقَلْبِ , وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ( { فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ } ) وَبِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم { الْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي الصَّدْرِ , وَإِنْ أَفْتَاك النَّاسُ وَأَفْتَوْك } فَقَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم شَهَادَةَ قَلْبِهِ بِلَا حُجَّةٍ أَوْلَى مِنْ الْفَتْوَى .

وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّهُ خَيَالٌ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ إلَّا عِنْدَ فَقْدِ الْحُجَجِ كُلِّهَا , وَلَا حُجَّةَ فِي شَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ الْإِيقَاعَ فِي الْقَلْبِ بِلَا دَلِيلٍ , بَلْ الْهِدَايَةُ إلَى الْحَقِّ بِالدَّلِيلِ , كَمَا قَالَ عَلِيٌّ رضي الله تعالى عنه : إلَّا أَنْ يُؤْتِيَ اللَّهُ عَبْدًا فَهْمًا فِي كِتَابِهِ . اه

وقيل : الإلهام ليس بحجة عند جماهير العلماء

ولا أحد من أهل الحق يجعلها دليلا مستقلا قائما بنفسه،

إن الإلهام يفيد العلم اليقينى عند صاحبه والأدلة على ذلك أكثر من ام تحصى فى الصحيحين عن النبى أنه قال قد كان فى الأمم قبلكم محدثون فان يكن فى أمتى أحد فعمر وكان عمر يقول اقتربوا من أفواه المطيعين واسمعوا منهم ما يقولون فانها تجلى لهم أمور صادقة وفى الترمذى عن أبى سعيد عن النبى أنه
قال اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله ثم قرأ قوله ان فى ذلك لآيات للمتوسمين وقال بعض الصحابة أظنه والله للحق يقذفه الله على قلوبهم وأسماعهم وفى صحيح البخارى عن أبى هريرة عن النبى أنه قال ولا يزال عبدى يتقرب الى بالنوافل حتى أحبه فاذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها وفى رواية فبى يسمع وبى يبصر وبى يبطش وبى يمشى فقد أخبر أنه يسمع بالحق ويبصر به وكانوا يقولون ان السكينة تنطق على لسان عمر رضى الله عنه

 يقول شيخ الإسلام :
فمن غلبت على قلبه إرادة ما يحبه الله تعالى وبغض ما يبغضه الله إذا لم يدر فى الأمر المعين هل هو محبوب لله أو مكروه ورأى قلبه يحبه أو يكرهه كان هذا ترجيحًا ( عنده) ، والذين ينكرون الإلهام طريقًا على الإطلاق أخطأوا كما أخطأ الذين جعلوه طريقًا شرعيًا على الإطلاق .
وفى الحيث (( اتقوا فراسة المؤمن فإنه يرى بنور الله ثم قرأ قوله تعالى ( إن فى ذلك لآيات للمتوسمين ) )) وهو وصف لما يحصل لأهل الإيمان عند تجريد توحيد قلوبهم لله وإقبالهم عليه دون ما سواه بحيث يكونون مخلصين حنفاء ويكونون مع الله بلا خلق ومع الخلق بلا نفس ومع النفس بلا هوى قد فنيت منهم إرادة ما سوى الله تعالى ومحبته وخوفه .
وفى الحديث (( ولا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به ...) الحديث فالله تعالى فطر عباده على الحنيفية السمحاء وهى حب المعروف وبغض المنكر فإذا لم تستحيل الفطرة فالقلب مفطور على الحق فإذا كانت الفطرة منورة بنور القرآن وخفى عليها دلالة الأدلة السمعية الظاهرة ورأى قلبه يرجح أحد الأمرين كان ذلك من أقوى الأمارات عند مثله .

والإلهام فى القلب تارة يكون من جنس القول والعلم وتارة يكون من جنس العمل والحب والإرادة والطلب .
وليس المقصود هنا بيان أن هذا وحده دليل على الأحكام الشرعية لكن مثل هذا يكون ترجيحًا لطالب الحق إذا تكافأت عنده الأدلة السمعية الظاهرة فالترجيح هنا خير من التسوية بين المتناقضين فإن التسوية بينهما باطلة قطعًا .
(أنظر السلوك 335، 472-476 )
ولكن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة..

((عن أنس أن ثابت بن قيس جاء يوم اليمامة، وقد تحنط، ولبس ثوبين أبيضين، فكفن فيهما، وقد انهزم القوم، فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، وأعتذر من صنيع هؤلاء، بئس ما عودتم أقرانكم ! خلوا بيننا وبينهم ساعة، فحمل، فقاتل حتى قتل، وكانت درعه قد سرقت، فرآه رجل في النوم، فقال له: إنها في قدر تحت إكاف، بمكان كذا وكذا، وأوصاء بوصايا، فنظروا فوجدوا الدرع كما قال. وأنفذوا وصاياه)) اهـ.

هذا خبر صحيح صححه الحاكم ووافقه الذهبي.

وفي رواية أخرى:
(( فلما استشهد، رآه رجل: فقال: إني لما قتلت، انتزع درعي رجل من المسلمين، وخبأه، فأكب عليه برمة، وجعل عليها رحلا. فائت الامير، فأخبره، وإياك أن تقول: هذا حلم، فتضيعه، وإذا أتيت المدينة، فقل لخليفة رسول الله، صلى الله عليه وسلم،: إن علي من الدين كذا وكذا، وغلامي فلان عتيق، وإياك أن تقول: هذا حلم، فتضيعه، فأتاه، فأخبره الخبر، فنفذ وصيته، فلا نعلم أحدا بعد ما مات أنفذت وصيته غير ثابت بن قيس رضي الله عنه)) اهـ.

فانظر كيف أن الصحابة وعلى رأسهم الصديق رضي الله عنهم، قد استمعوا إلى رؤيا منامية من واحد منهم فعملوا بها، فهاهي رؤيا صحابي وكشف الصديق ومن معه بأنها رؤيا حق، فانظر كم بابا فقهيا وحكما شرعيا تم تنفيذه بناء على هذه الرؤيا المنامية ولكم الكشف، فحكموا بأن الدرع التي وجدوها لثابت بن قيس فحكموا بملكه لها برؤيا، ثم حكموا بأنها ميراث لأهله، ثم أخذوا من ميراثه وتركته وقضوا ديونا بمقادير معينة ولأناس معينين لا إثبات عليها سوى هذه الرؤيا، ثم انظر كيف أعتق الغلام بناء على رؤيا ولم يعتبر من الإرث والتركة .. فانظر إلى كل هذه الأحكام الشرعية والأبواب الفقهية كيف نتجت بناء على رؤيا منامية وهي أخت الكشف عندكم وأشد منها في رأيكم ورأي قرضاويكم، فلم لم يعب القرضاوي على خليفة رسول الله وخالد بن الوليد وعمر بن الخطاب وجيل الصحابة الذين أنفذوا أحكاما شرعية على رؤيا منامية ؟؟؟

(( وتصح الوصية بالرؤيا الصادقة المقترنة بما يدل على صدقها إقرار كاتب أو إنشاء لقصة ثابت بن قيس التي [نفذها] الصديق رضي الله عنه.
وقد اختلف في الكشف هل هو طريق للأحكام فنفاه ابن حامد والقاضي وأكثر الفقهاء وقال القاضي أن في كلام أحمد في ذم المتكلمين على الوسواس والخطرات إشارة إلى هؤلاء.
وأثبته طائفة من الصوفية وبعض الفقهاء والمقصود أن التصرف بناء على ذلك جائز وإن لم يجز الرجوع إليه في الأحكام لأن عمدة التصرف على غلبة الظن بأي طريق كان بخلاف الأحكام فإن طرقها مضبوطة))اهـ.

ويقول ابن القيم في الروح - (1 / 15)
((فقد اتفق خالد [و] أبو بكر الصديق والصحابة معه على العمل بهذه الرؤيا وتنفيذ الوصية بها وانتزاع الدرع ممن هى في يده وهذا محض الفقه))اهـ.

 ابن تيمية وابن القيم كل منهم صحح تنفيذ الوصايا بناء على الرؤية المنامية

 يقول ابن تيمية في الفتاوى الكبرى ـ (5 / 127):
(( والتحقيق أن الله قادر أن يعلم الملائكة بما في نفس العبد كيف شاء كما هو قادر على أن يطلع بعض البشر على ما في الإنسان فإذا كان بعض البشر قد يجعل الله له من الكشف ما يعلم به أحيانا ما في قلب الإنسان فالملك الموكل بالعبد أولى بأن يعرفه الله ذلك ))اهـ.

ويقول في الفتاوى الكبرى - (6 / 621):

((إن أهل الإثبات لهم من العقل الصريح والكشف الصحيح ما يوافق ما جاءت به النصوص فهم مع موافقة الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة يعارضون بعقلهم عقل النفاة وبكشفهم كشف النفاة لكن عقلهم وكشفهم هو الصحيح))اهـ.
وقال صل الله عليه وسلم: لم يبق من النبوات إلا المبشرات قيل وما هي يا رسول الله؟ قال الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له..

كما أن النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا عن لمة الملك التي وعد بالخير وحث عليه وحذرنا من لمة الشيطان..

فالرؤى والإلهام بالخير يستأنس به ويستعان على فعل الخير الذي ثبت أصله بالأدلة الشرعية المرعية ولا يستفاد منه حكم شرعي لعدم انضباطه وعدم الوثاقة التامة به ولأنه ليس في الشرع ما يدل على الاحتجاج به

والقول بحجيته ضعيف 
وقد نص سادتنا على أنه لا بد من عرض الخواطر الملهَمة على 
الشرع الشريف وأنها لا تقبل إلا بشاهدي عدل من الكتاب والسنة

وفي الزبد لابن رسلان: 
وزن بحكم الشرع كل خاطر *فإن يكن مأموره فبادر

قال ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل(5/ 348):
كل ذي مكاشفة إن لم يزنها بالكتاب والسنة وإلا دخل في الضلالات،
 وأفضل أولياء الله من هذه الأمة أبو بكر وعمر رضي الله عنهماوأفضل من كان محدَّثا من هذه الأمة عمر للحديث 
وللحديث الآخر :
[ إن الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه ] ومع هذا 
فالصديق أفضل منه لأن الصديق إنما يأخذ من مشكاة الرسالة لا من مكاشفته ومخاطبته؛ وما جاء به الرسول معصوم لا يستقر فيه الخطأ، وأما ما يقع لأهل القلوب من جنس المخاطبةوالمشاهدة ففيه صواب وخطأ وإنما يفرق بين صوابه وخطائه بنور النبوة كما كان عمر يزن ما يَرد عليه بالرسالة فما وافق ذلك قبله وما خالفه رده.
قال بعض الشيوخ* ما معناه : قد ضمنتْ لنا العصمة فيما جاء به الكتاب والسنة ولم تضمن لنا العصمة في الكشوف.
وقال أبو سليمان الداراني :
 إنه لتمر بقلبي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين 
اثنين : الكتاب والسنة.
وقال أبو عمرو إسماعيل بن نجيد :
كل ذواق أو كل وَجْد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل.
وقال الجنيد بن محمد: علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة فمن لم يقرأ القرآن وبكتب الحديث لا يصلح له أن يتكلم في علمنا.
وقال سهل (أي التستري) أيضا :
 يا معشر المريدين لا تفارقوا السواد**
على البياض فما فارق أحد السواد على البياض إلا تزندق.

وهذا وأمثاله كثير في كلام الشيوخ العارفين يعلمون
 أنه لا تحصل لهم حقيقة التوحيد والمعرفة واليقين إلا بمتابعة 
المرسلين .انتهى كلام ابن تيمية