الأربعاء، 29 مايو 2013

الحركة والجهة والمكان عند أهل السنة والجماعة وعند بن تيمية


 قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم :" يَنْزِلُ رَبُّنَا ، تباركَ وتعالى ، كُلَّ ليلةٍ إلى السَّماء الدُّنيا حينَ يبقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرِ فيقولُ مَنْ يدعوني فأستجيبَ له مَنْ يسألُني فأعطيَه مَنْ يستغفرُني فأغفرَ له " .. رواه البخاريُّ في[(صحيحه)/كتاب الجُمُعَة]..

ورَوَاهُ مسلم في[(صحيحه)/كتاب صلاة المسافرينَ وقَصْرِها]بلفظ :" إذا مَضَى شَطْرُ اللَّيْلِ أو ثُلُثَاهُ يَنْزِلُ الله تباركَ وتعالى إلى السَّماء الدُّنيا فيقولُ هل من سائلٍ يُعْطَى هل من داعٍ يُستجابُ له هل من مستغفرٍ يُغْفَرُ له حتَّى ينفجرَ الصُّبْحُ " ..

ورَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ في[(سننه)/كتاب الدَّعَواتِ عن رسولِ الله]وصحَّحه بلفظ :" ينزِلُ ربُّنا كُلَّ ليلةٍ إلى السَّماء الدُّنيا حينَ يبقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرِ فيقولُ مَنْ يدعوني فأستجيبَ له ومَنْ يسألُني فأعطيَه ومَنْ يستغفرُني فأغفرَ له " ..

أهلُ الحَقِّ يقولون :" المضافُ محذوف ، والتقديرُ : ينزِلُ مَلَكُ ربِّنا بأمرٍ من الله ، ولا يَتَّصِفُ الله بالحركةِ والسُّكُون " ..

وممَّا استدلُّوا بهِ على تأويلِهم ما رواه النَّسَائِيُّ في (عَمَلِ اليومِ واللَّيلة) بإسنادٍ صحيحٍ عن رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، فقد رَوَى عنه أنه قال :" إنَّ الله يُمْهِلُ حَتَّى إذا مَضَى شَطْرُ اللَّيلِ الأَوَّلِ يأمرُ مناديًا فينادي .. " إلى ءاخرِ الحديث ..

إنَّ روايةَ النَّسَائِيِّ فَسَّرَتْ معنى النزول .. فيكونُ معنى النزول أنَّ الْمَلَكَ يَنْزِلُ بأمرِ الله . قالَ الإمامُ مالك :" معناه تنزلُ رحمتُه وأمرُه وملائكتُه كما يقالُ فَعَلَ السُّلطانُ كَذَا إذا فَعَلَهُ أتباعُه " .

أنظر[(شرحَ صحيحِ مسلم)/ج6/ص279]للنَّوَوِيِّ ..

إلَّا أنَّ ابنَ تَيْمِيَةَ الشَّاذَّ عن أهلِ الحَقِّ يأبى إلَّا أنْ يحملَ الحديثَ على ظاهرِه فيقول :" هذا النورُ والبركةُ والرَّحمةُ التي في القلوب هي من ءاثارِ ما وَصَفَ الله به نفسَه من نزولهِ بذاته " ..

.

ويقول :" الله على العرشِ وينزِل إلى السَّماء ولا يخلو منه العَرْشُ " ..

قال ذلكَ في كتابه[(شرح حديث النـزول)/ص38]وغيرِه ..

ويقولُ ابنُ تيميةَ :" لأنَّ الحَيَّ القَيُّومَ يفعلُ ما يشاء ويتحرَّك إذا شاء ويَهْبِطُ ويرتفعُ إذا شاء ويقومُ ويجلسُ إذا شاء لأنَّ أَمَارَةَ ما بينَ الحَيِّ والميت التحرُّك " ..

قال ذلكَ في كتابه[(موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول)/ج2/ص26]..
عجيبٌ أمرُ هذا الرَّجُل ، يَزْعُمُ أنه على عقيدةِ السَّلَفِ الصَّالحِ وهذا الإمامُ الأكبرُ حُجَّةُ الإسلامِ أبو جعفرٍ الطَّحَاوِيُّ السَّلَفِيُّ ، المتوفَّى سنةَ إحدَى وعشرينَ وثلاثمِائةٍ للهجرة ، يقولُ في كتابه (العقيدة الطَّحاويَّة) التي ذَكَرَ في مقدِّمتها أنها عقيدةُ أهلِ السُّـنَّةِ والجماعةِ قاطبةً يقول
:" ومَنْ وَصَفَ الله بمعنًى من معاني البشر فقد كفر " .

*قال الإمامُ أبو سليمانَ الخَطَّابيُّ شيخُ البيهقيِّ :" إنَّ الذي يجبُ علينا وعلى كُلِّ مسلمٍ أنْ يعلمَه أنَّ ربَّنا ليسَ بذي صُورة ولا هَيْـئَة ،
فإنَّ الصُّورَةَ تقتضي الكيفيَّة وهي عن الله وعن صفاتهِ منفيَّة " .. رواه عنه البيهقيُّ في كتابه (الأسماء والصِّفات) ..

*وقال الإمامُ أحمدُ بنُ حنبلٍ رضيَ الله عنه :" مَنْ قال إنَّ الله جسمٌ لا كالأجسامِ فهُوَ كافر " .. رَوَاهُ الحافظُ بدرُ الدِّينِ الزَّرْكَشِيُّ في كتابهِ[(تشنيفُ المسامع)/المجلَّد الرَّابع/ص648]، وكذلكَ صاحبُ (الخِصَال) .. وهذا صحيحٌ لأنَّ التجسيمَ عقيدةُ اليهود والنصارَى ..

*وقال الإمامُ الشَّافِعِيُّ رضيَ الله عنه :
" مَنْ زَعَمَ أنَّ الله جالسٌ على العرشِ فهو كافر " ..
رَوَاهُ ابنُ الْمُعَلِّمِ القُرَشِيُّ في كتابهِ[(نجمُ المهتدِي ورَجْمُ المعتدي)/ص551]..

*وقال الشَّافِعِيُّ أيضًا :" الْمُجَسِّمُ كافر " ..
رَوَاهُ الحافظُ السُّيُوطِيُّ في كتابهِ[(الأشباهُ والنَّظائر)/ص488]..

*وقال الإمامُ مُحَمَّدُ بنُ بدرِ الدِّينِ بنِ بلبانَ الدِّمَشْقِيُّ الحنبليُّ المتوفَّى سنةَ 1083 للهجرة في كتابهِ[(مختصرُ الإفادات)/ص489]:"
 مَنِ اعتقدَ أو قال إنَّ الله بذاتهِ في كُلِّ مكانٍ أو في مكانٍ فهو كافر " ..
الدليل من الحديث الشريف على أن الله موجود بلا مكان ولا جهة
بسم الله الرحمن الرحيم

صحيح مسلم ج 4 صا2084
2713ا - حدثني زُهَيْرُ بن حَرْبٍ حدثنا جَرِيرٌ عن سُهَيْلٍ قال كان أبو صَالِحٍ يَأْمُرُنَا إذا أَرَادَ أَحَدُنَا أَنْ يَنَامَ أَنْ يَضْطَجِعَ على شقة الْأَيْمَنِ ثُمَّ يقول اللهم رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَرَبَّ الأرض وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ رَبَّنَا وَرَبَّ كل شَيْءٍ فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ أَعُوذُ بِكَ من شَرِّ كل شَيْءٍ أنت آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ اللهم أنت الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَىءٌ وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَىءٌ وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَىءٌ وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَىءٌ اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ وَأَغْنِنَا من الْفَقْرِ وكان يروى ذلك عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبي.ا

قال الحافظ البيهقي في كتابه الأسماء والصفات (استدل بعض أصحابنا في نفي المكان عنه تعالى بقول النبي صلى الله عليه وسلم "أنت الظاهر فليس فوقك شىء وأنت الباطن فليس دونك شىء" وإذا لم يكن فوقه شىء ولا دونه شىء لم يكن في مكان) اهـ.ا


ولكنَّ أحمدَ بنَ تَيْمِيَةَ الحَرَّانِيَّ يُصِرُّ على معتقدِه فيقولُ في كتابه (الموافقة)ما نصُّه :" وقد اتفقتِ الكلمةُ من المسلمينَ والكافرينَ على أنَّ الله في السماء وحَدُّوهُ بذلك "ا.هـ.
أنظر كتابه[(موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول)/ج2/ص29/ص30]..

ويقول في كتابهِ (الموافقة) أيضًا ما نصُّه :" فهذا كُلُّه وما أشبهَه شواهدُ ودلائلُ على الحَدِّ ، ومَنْ لم يعترفْ بهِ فقد كَفَرَ بتنـزيلِ الله وجَحَدَ ءاياتِ الله "ا.هـ..
أنظر كتابَه[(موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول)/ج2/ص29]،
وكتابَه[(بيان تلبيس الجهميَّة)/ج1/ص427]..


وهذا تكفيرٌ من ابنِ تيميةَ لأهلِ السُّـنَّةِ والجماعةِ الذينَ يَنْفُونَ الحَدَّ ، أي الحجمَ ، عن الله عَزَّ وجَلَّ .

ويقولُ في كتابهِ (بيان تلبيس الجهميَّة) ما نصُّه :" فقد دَلَّ الكتابُ والسُّـنَّةُ على معنى ذلك ، كما تَقَدَّمَ احتجاجُ الإمامِ أحمدَ لذلكَ بما في القرءانِ ممَّا يَدُلُّ على أنَّ الله تعالى له حَدٌّ يتميَّز به عن المخلوقات "ا.هـ..
أنظر كتابَه[(بيان تلبيس الجهميَّة)/ج1/ص445]..

وقال فيه أيضًا ما نصُّه :" وذلكَ لا ينافي ما تَقَدَّمَ مِنْ إثباتِ أنه في نَفْسهِ له حَدٌّ يَعْلَمُهُ هو ولا يَعْلَمُهُ غيرُه "ا.هـ..

أنظر كتابَه[(بيان تلبيس الجهميَّة)/ج1/ص433]..

والعجبُ من ابنِ تَيْمِيَةَ في قولهِ المذكورِ الْمُوهِمِ أنَّ المسلمينَ والكافرينَ اتفقوا وأجمعوا على أنَّ الله محدود . وقد نَقَلَ أبو الفضلِ التميميُّ رئيسُ الحنابلةِ عن الإمامِ أحمدَ بنِ حنبلٍ أنه قال :" والله تعالى لا يَلْحَقُهُ تَغَيُّرٌ ولا تَبَدُّلٌ ولا تَلْحَقُهُ الحُدُودُ قبلَ خَلْقِ العرشِ ولا بعدَ خَلْقِ العرشِ " .

كما نَقَلَ عنه ، أيْ عن ابنِ حنبلٍ ، أنه كانَ يقول :" إنَّ الأمكنةَ كُلَّهَا محدودةٌ والله ليسَ بمحدود " ، أي ليس له كمِّـيَّة ، أي ليس له مقدارٌ من الحجم ..

أنظر[(اعتقاد الإمامِ أحمد)/ص6]لأبي الفضلِ التميميِّ الحنبليِّ//وهو كتابٌ مخطوط//الظَّاهريَّة 345 حديث//..

يَزْعُمُ ابنُ تَيْمِيَةَ أنه على عقيدةِ السَّلَفِ الصَّالحِ وهذا الإمامُ الأكبرُ حُجَّةُ الإسلامِ أبو جعفرٍ الطَّحَاوِيُّ السَّلَفِيُّ ، المتوفَّى سنةَ إحدَى وعشرينَ وثَلاثمِائةٍ للهجرة ، يقولُ في كتابه (العقيدة الطَّحَاوِيَّة) التي ذَكَرَ في مُقَدِّمَتِهَا أنها عقيدةُ أهلِ السُّـنَّةِ والجماعةِ قاطبةً يقول :" تعالى ـ يعني الله ـ عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاء والأدوات ، لا تَحْويهِ الْجِهَاتُ السِّتُّ كسائرِ المبتدَعات " .

تنزيه الله عن المكان والجهة للدكتور الزين


 [ تنزيه الله عن جهة العلو والمكان ]
ومادته : مقال لفضيلة الشيخ الدكتور :
محمود أحمد الزين رحمه الله 



تنزيه الله عن جهة العلو والمكان
بسم الله الرحمن الرحيم
عقيدة أهل السنة والجماعة أن الله عز وجل لا تحده الجهات ولا تحتويه الأماكن ولا الأزمان إذ هو خالق كل شيء خالق المكان والزمان والجهات فلو كانت الفوقية وهي من الجهات صفة له لكانت حادثة طرأت عليه سبحانه بعد خلق الجهات ،
والله سبحانه قديم الذات قديم الصفات بالاتفاق .

فإن قالوا :
إن الجهات قديمة قِدم الذات الإلهية فقد زعموا حينئذ أن في الوجود شيئاً لم يخلقه الله تعالى وأنه ليس خالق كل شيء لأن القديم لا يحتاج إلى خالق
وزعموا أنه غير متصف بصفة الأولية
إذ لو كان معه شيء لما كان الأول بإطلاق بل يكون أولاً بالنسبة إلى غير المكان الذي زعموا أنه فيه والجهة التي زعموا أنه فيها 

وعقيدة أهل السنة والجماعة 
في تنزيه الله سبحانه وتعالى عن الجهات مأخوذة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وذلك أن الله تعالى وصف نفسه في كتابه بقوله :
(( هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم )) .
فالعبارة الأولى : تثبت بلفظها وجوده في السماء ،
والثانية :تثبت بلفظها وجوده في الأرض وفي كل مكان ، 

وقوله :(( والله بكل شيء محيط )) تثبت بلفظها وجوده فيما وراء العوالم محيطاً بها فتكون في داخله ، 
وقوله :(( ونحن أقرب إليـه من حبل الوريــد ))
يثبت بلفظه أنه سبحانه موجود في أنفسنا ، 

وحيث إن الأمة اتفقت على أنه لا يمكن أن يكون مداخلاً مع الأشياء حالاً فيها ولا حالّة فيه وجب أن يكون خارجاً عن نطاق المكان والزمان ،
فهو قريب من خلقه بلا مداخلة عال عليهم بلا مفاصلة ،

لأن المداخلة والمفاصلة من صفات المحسوسات التي لها أحجام وأطوال والله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء فلا يشبه المحسوسات في ذلك ،
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم :
(( اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخــــر فليس بعدك شيء وأنت الظاهــــر فليس فوقك شيء وأنت الـباطــن فليس دونك شيء )) .
قال الإمام البيهقي : 
هذا الحديث دليل على أنه سبحانه منزه عن المكان لأن مَن كان بلا مكان تستوي جميع الأشياء عنده في القرب والبعد .
ونظير ذلك قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم أيضاً :
(( اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل ))
وليس ذلك إلا لله سبحانه .

والذين يثبتون لله تعالى جهة العلو،
إنما دعاهم لذلك فهمهم من الآيات والأحاديث صفات تشبه صفات المحسوسات ....

فهموا من المعية المداخلة أو المفاصلة ،
قالوا :
لو كان الله معنا لكان إما حالاً فينا أو حالّين فيه وكلاهما باطل
فوجب أن يكون معنا بعلمه فقط وليس معنا بذاته
ولو أدركوا أن هذا الأمر ضروري في الأشياء المحسوسة
وليس ضرورياً في غيرها لأدركوا أن هذا الاستدلال باطل 
ويرد شبهتهم هذه أمران :
أحدهما : 
أن الأمور المعنوية المخلوقة لا تُداخِل الأشياء ولا تفاصلها فالإيمان في القلب ومع ذلك إذا بلي الجسد ومعه القلب لا يزول الإيمان لأنه أمر معنوي
ثانيهما :
أنهم يقعون في مثل ما فروا منه إذ يزعمون أن الله فوق العرش والعرش محيط بالعالم فيكون العالم كله في داخل الله سبحانه وهذا نفس ما أنكروه......
وكذلك يقعون في ما فروا منه في قولهم في حديث النزول :
إنه نزول الذات
فقد ثبت بالأحاديث الصحيحة أن الله ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا ....
وصح أن السماء مزدحمة بالملائـكــــــة ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجداً لله فيكون مع الملائكة في السماء الدنيــا فهل يحلّ فيهم
أم يحلّون فيه ؟!!!!.

اللهم لا هذا ولا ذاك بل هو سبحانه ذات لا تشبه المحسوسات إنما هو معنا بلا مداخلة ولا مفاصلة ، 
وأيضاً :
هم يزعمون أنه فوق العرش بذاته والعرش محيط بالمخلوقات فصار على زعمهم هذا ظرفاً حلت المخلوقات كلها في ذاته وأصبحت في داخله .
ونظير هذا : 
زعمهم أنه لو كان معنا حيثما كنا معية حقيقية لكان معنا حين نكون في الأماكن الخبيثة التي تجتمع فيها النجاسات والقاذورات وهو منزه عن ذلك قطعاً واتفاقاً
وهذا أيضاً مبني على تشبيهه سبحانه بالمحسوسات التي تتأثر بالنجاسات المحسوسة مثلها وتشترك معها في التماسّ الحسي ! 
ولو أدركوا أنه سبحانه موجود معنا بلا مداخلة وأنه خارج عن الزمان والمكان بلا مفاصلة لعلموا أن هذه الخباثات لا تؤثر عليه ولا يصيبه منها شيء ، 
والذي يوضح هذا أن ضوء الشمس مع أنه مخلوق يقع على النجاســــات فلا تنجسه ولا يتضرر بها ولا يعيبـــه ذلك والله منزه عنه .

ولا بد أن نسألهم بعد هذا كله عن : 
1 - دليلهم الذي اعتمدوه في إبقاء قوله تعالى :
(( ثم استوى على العرش )) على ظاهره ولم يقبلوا تأويله باستولى .... 

2 - وعن دليلهم في تأويل قوله تعالى :
(( وهو معكم )) بالمعية العلمية ، ولم يقبلوا إبقاءه على ظاهره حيث إن(هو) يدل على الذات لا على الصفات ،
وجوابهم المسطور في كتبهم يعتمد كما يقولون على الأدلة الشرعية ثم العقلية .

أما الشرعية : 
فهي أن الله تعالى وصف نفسه بأنه على العرش فله جهة الفوق وهي تنافي جهة التحت فوجب أن يكون في جهة الفوق دون جهة التحت ،
ووجب بناء على ذلك تأويل كونه معنا بالمعية العلمية دون الذاتية .... 

وهذا مردود من وجوه أربعة :
أولها :
أنهم استنتجوا من الفوقية نفي الجهات الأخرى عن الله تعالى استنتاجاً ،
وإنما هو مستنتج بناء على تشبيه الله تعالى بالأشياء المحسوسة التي إذا وجدت في مكان استحال أن تكون في غيره والله تعالى
( ليس كمثله شيء ) ، فليس مثل المخلوقات الحسية قطعاً بدليل أنهم يقولون إذا نزل إلى السماء الدنيا لا يخلو منه العرش مع أن السماء الدنيا بالنسبة للعرش في عكس جهة الفوقية وهي التحتية فلو كان وجوده فوق العرش ينافي وجوده تحته لكان وجوده تحته ينافي وجوده فوقه .
بل إن هناك مخلوقات لله تعالى لا تحدها تلك الحدود ، 

فقد جاء في الحديث الشريف :
(( إن الله أذن لي أن أحدث عن ديك رجلاه في الأرض وعنقه مثنية تحت العرش وهو يقول : سبحانك ما أعظم ربنا ،
قال : فيرد عليه : ما يعلم ذلك من حلف بي كاذباً ))
وهذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه كما جاء في المستدرك جــ4 صـ297

فهل وجود هذا الديك في جهة الفوق وفي السماوات ينافي وجوده في جهة التحت في الأرضين السفلى اللهم لا .. ولكنه مخلوق نور انذاك لا تحده هذه الحدود الحسية ، 
والله عز وجل ألطف منه وأحق أن لا تحده الحدود وتحول الأماكن بينه وبين الأشياء وكذلك كل الملائكة يدخلون البيوت المغلقة ولا تحدهم الجدران ونحوها.
ثانيها : 
أن هذا كلام مبني على عكس القواعد العلمية الأصولية ،
حيث إنهم فهموا من كونه في جهة الفوق - استنتاجاً - أنه
ليس في غيرها ! ،ولما كان هذا الاستنتاج مع قوله تعالى
: ((وهو معكم )) ، قدموا الاستنتاج على كلام الله
بدلاً من أن يقدموا الصريح على الاستنتاج ،
وهذا الاستنتاج يسميه علماء الأصول (( مفهوم المخالفة ))،
وهو دليل يسقط إذا عارضه أي دليل استنتاجي أقوى كمفهوم الموافقة ،
فكيف إذا عارضه الظاهر المنطوق ؟!!!.

ثالثها : 
أن الاستدلال بظاهر قوله تعالى (( ثم استوى على العرش ))
على تأويل ظاهر قوله تعالى :(( وهو معكم أينما كنتم )) ، 
مبني على تحكم وعلى ترجيح أحد المتساويين على الآخر بلا مرجح
أي رجحوا ظاهراً على ظاهر،!!
فكما قالوا : الله فوق العرش فليس تحته وليس معنا ،
يمكن أن يقـــال : الله معنا أي تحت العرش فليس فوقه .
اللهم لا هذا ولا ذاك .
ولكنه معنا دون مداخلة ولا مفاصلة وفوق العرش دون ملامســة
ولا معاينة ، وهذا هو الاستواء الذي يليق بجلاله ،
كما أن تلك هي المعية التي تليق بجلالـــه تبارك وتعالى ......

رابعها : 
أن دلالة الآية على معية العلم لا تنفي الدلالة على معية الذات بحيث يترتب على إرادة معية العلم عدم إرادة معية الذات بل إن معية الذات توجد مع معية العلم فتؤكدها ، 
فكما يصح لغة أن يقول إنسان لآخر :
أنا معك ويريد بذلك معية التأييد دون معية الذات ..
يصح أيضاً أن يقول له :
أنا معك وهو يريد الذهاب معه بذاته لتأييده بل يكون التأييد أعظم
فكيف يصح الاستدلال بإنبات معية العلم على نفي معية الذات ؟ !

مع أن دلالة اللفظ على معية الذات هي الأصل وهي تؤكد معية العلم ولا تنافيها ؟!.
فإن قالوا :
نفينا معية الذات لأنها لا تليق بالله سبحانه وتعالى .....
قلنا:
هذا النفي يحتاج إلى دليل ثم إنكم فررتم إلى مثله كما سبق بيانه.
ويعترضون علينا بأن الله تعالى إذا كان معنا في كل مكان بذاته فما الفرق بين التي خص بها المؤمنين ومنعها من الكافرين؟
والجواب عن هذا :

أنه كالفرق بين معية العلمية للفريقين واختصاصه المؤمنين بمعية التأييد فهو قريب من الجميع قرباً واحداً بذاته بعيد عن الكفار بعد التأييد ،
هذا مع التأكيد على أنها غير حسية .

أما أدلتهم الشرعية الأخرى :
فهي آيات وأحاديث مثل قوله تعالى :
(( الرحمن على العرش استوى )) 
وليس في واحد منها نفي وجوده سبحانه عن غير العرش ،
وهذا هو محل النزاع بيننا وبينهم ،
وليس الخلاف في أنه سبحانه على العرش
ومن هنا وجب تفسيره بما يليق به سبحانه وهو أنه استواء بلا ملامسة ولا مفاصلة 

ومن أدلتهم الشرعية :
تأويل سيدنا عبد الله بن عباس وبعض السلف قوله تعالى :
(( وهو معكم )) بالمعية العلمية ،
فهذا غير كاف لأنه يمكن أن يعنى به نفي المعية الحسية لا نفي المعية التي تليق بالله سبحانه كما سبق بيانه .

ولو افترضنا العقلي: من هذا التأويل نفي المعية مطلقاً أي الحسية والتنزيهية لكان معارضاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم
(( اللهم أنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء )) 

رواه مسلم .
وإذا تعارض قول الصحابي مع قول النبي صلى الله عليه وسلم قدم قول النبي صلى الله عليه وسلم بلا شك مع أن السياق هنا ليس سياق الحديث عن العلم حتى يؤول بالعلم ومقابلة الفوقية بالدونية تدل على أن دون بمعنى تحت ،
فالفوقية ليست بالحسية والتحتية ليست بالحسية ،
كما هو واضح من الحديث النبوي الشريف .

وأما دليلهم العقلي : 
فأعجب من كل ما مضى ....
وذلك أنهم قالوا : إن زعمكم أن الله ليس في  مكان ولا جهة يشبه قول منكري وجود الله عز وجل ، 

لأن الشيء الذي لا مكان له ولا هو في جهة من الجهات هو معدوم موجود.
فنسألهم أولاً :
عن هذا الدليل أهو آية أم حديث أم قاعدة عقلية قاطعة ؟
أما الآية والحديث فلا ...
بل إن الحديث في صحيح مسلم السابق ينقضه .
وأما العقل فيقول :
إن المفتقر إلى المكان هو الأمور الحسية فقط ولا يحكم المخلوقات الروحية فضلاً عن الله سبحانه .
وقولهم هذا مبني على تشبيه الله عز وجل بالأشياء المحسوسة التي تفتقر إلى المكان والجهة .
والذي يبطل هذا الزعم من أساسه أن نسألهم : 

مَن الذي خلق الأماكن والجهات ؟ ...
فلابد إذا ما دعوا العقل والشرع الذي يقول : الله خالق كل شيء
أن يقولوا : خلقها الله تعالى ،
فنقول :
في أي جهة وفي أي مكان كان قبل أن يخلق الأماكن والجهات ؟
بالطبع لم يكن في جهة ولا مكان ،
لأنه لا يوجد مكان ولا جهة، ! 

فنقول لهم : 
إن قولكم الشيء الذي لا جهة له ولا مكان شيء معدوم دليل باطل ،
فهو ليس بآية ولا حديث ولا هو قاعدة عقلية ،
بل هو قاعدة تحكم المخلوقات المحسوسة المفتقرة إلى المكان ولا تحكم المخلوقات الروحية كما سبق بيانه ، فضلاً عن الله سبحانه المنزه عن الشبيــه . فلا يصح الاعتماد على هذا القول المخالف للشرع والعقل .


وبعد هذا كله لا بد من التنبيه إلى أن الذي اختاروه في تفسير الفوقية لا ينجيهم مما فروا منه إطلاقاً ،
لا من وصفه بأنه تحت الخلق ،
ولا من حول العالم ،
ولا من حوله في مكان ،
لأنهم يزعمون أنه موجود في الفضاء الذي فوق العرش محيطاً به
والعرش محيط بالعالم ، 

فإذا كان محيطاً بالعالم فالعالم بداخله كما أن إحاطته بالكرة الأرضية تعني أنه تحت الإنسان الواقف في أي جهة إذا نظر إلى ما وراء الكرة الأرضية .

أما زعمهم أنه في الفضاء الذي وراء العرش ،
فعلى أي دليل شرعي أو عقلي اعتمدوا في إثبات وجود هذا الفراغ ... ؟!
أي آية أو أي حديث ...
فنسألهم عنه :
هل هذا الفضاء أمر وجودي أم عدمي ؟ ،
فإن قالوا : وجودي ،
قلنا: أمخلوق هو ؟
فإن قالوا : نعم ،
قلنا : أين كان قبل أن يخلقه ؟
فإن قالوا : هو أمر وجودي لم يخلقه الله .
قلنا : زعمتم أن الله ليس بخالق لكل شيء .
وإن قالوا : هو فراغ عدمي ،
قلنا : جعلتم العدم أكبر من الله فهل لهذا العدم نهاية ؟
فإن قالوا : نعم ،
قلنا : هل لله نهاية معه أم ينتهي العدم ولا ينتهي وجود الله ؟
فإن قالوا : ينتهي العدم ولا ينتهي هو ،
قلنا : إذا صدقوا مع أنفسهم أن يقروا أنه ليس في مكان .

ومما زعموه دليلاً شرعياً على إثبات جهة الفوقية لله تعالى
حديث النزول

(( ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر ...........))
الحديث كما في صحيح مسلم .
والجواب عن ذلك : 
أن الأمر الذي يثبت جهة الفوقية هو نزول الانتقال وهو محال لأمرين :
أحدهما : 
أن ذلك الانتقال من شأن المخلوقات الحسية التي تحدها الأماكن فلا يليق به سبحانه لا سيما بعدما تبين أنه سبحانه لا تحده الأماكن .
ثانيهما : 
أن ثلث الليل الآخر زمان موجود دائماً فإما أن يكون نازلاً دائماَ فتنتفي الفوقية !، 
وإما أن يكون نزوله برحمته الخاصة بالقائمين في الليل
وهنا هو الحق ......

وهو -أي الحديث - لا يدل على جهة الفوقية له سبحانه إنما هو مثل معية التأييد يخص القائمين كما تخص هي الذين اتقوا ، 
ولا بد إذاً من الرجوع إلى توجيه الأدلة الشرعية والعقلية ،
وهو أنه سبحانه منزه عن المكان والزمان فهو سبحانه على العرش بلا مماسة ولا معاينة كما يليق بجلاله ،

لا كما هو شأن الملوك من المخلوقين إذا استووا على عروش الدنيا ، 
وهو سبحانه معنا دون حلول ولا اتحاد أي لا مفاصلة ولا مداخلة كما يليق بجلاله لا كما تقول : معية المخلوقين مع بعضهم ... 
سبحانه ! ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) .
ومن جملة ما زعموه دليلاً شرعياً :
على إثبات جهة الفوقية لله تعالى : 

أن المسلمين مجمعون على أن الداعي يرفع يديه ووجهه إلى جهة العلو في دعائه فلولا أن الله تعالى مختص بجهة العلو لما كان لهذا العمل معنى يقبله العقل .
والجواب : 
أن هذا الاستنتاج لو كان صحيحاً فهو معارض بأقوى منه ، وهو أن الله أمرنا بصريح القرآن أن نتوجه في الصلاة وهي أهم من الدعاء في ديننا إلى جهة الكعبة ، 
وهذا يقتضي على طريقتهم في الاستنتاج أن يكون الله تعالى في الكعبة
أي في الأرض .
والواقع أن الله سبحانــه منزه عن المكانيين
وكلا الاستنتاجين غير صحيح :
إنما الصحيح : 
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سن لنا التوجه في الدعاء إلى السماء كما سن لنا أن ندعو ونحن في سجودنا حيث قال :
(( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا من الدعاء )) 


وكلا الاتجاهين مراد منه تعظيم الله سواء رفعنا وجوهنا إلى السماء
أو جعلناها على الأرض، 

فكما أن الدعاء في السجود لا يدل على أن المدعو في تلك الجهة وكما أن التوجه في الصلاة إلى الكعبة لا يدل على أنه في جهتها كذلك الاتجاه إلى السماء في الدعاء لا يدل على أنه في جهتها سبحانه .
ومن أدلتهم التي يزعمونها عقلية فطرية :
أننا إذا سألنا الأطفال أين الله ؟
قالوا : في السماء .

وهذا استدلال غريب جداً !
فمتى كان الأطفال هم ميزان الحق والباطل ؟ !
وهل جهل الأطفال هو الفطرة ؟
لو كان يصح الاعتماد على الأطفال في هذا الأمر لكان صح للمشبهة أن يسألوا الأطفال فيقولوا لهم : ما معنى يد الله وعين الله وقدم الله ؟
أترى يجيبون بغير التمثيل بجوارحهم الحسية البشرية ؟ ،
فهل نقول إنهم علموا بالفطرة أيضاً أن الله مثل خلقهم في الجوارح ؟؟!!!
أم نرجع إلى قول الله عز وجل : 
(( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير )) .]

الثلاثاء، 28 مايو 2013

معنى ولا يرضى لعباده الكفر عند الأشاعرة


قالت الأشاعرة :

قال العلامة التفتازاني 1 -
حاكيا مذهب أهل السنة الأشاعرة:
( هو تعالى يريد كفر الكافر ويخلقه، ومع هذا يبغضه
وينهاه عنه ويعاقبه عليه ولا يرضاه ).
شرح المقاصد، ج2/ص147
وقال:
(مذهب أهل الحق أن كل ما أراد الله فهو كائن، وأن 

كل كائن فهو مراد له، 

وإن لم يكن مرضيا ولا مأمورا به، بل منهيا عنه).
شرح المقاصد، ج2/ص 97

2 - وقال الشيخ إبراهيم اللقاني
في شرحه الصغير على جوهرته:
صفة الإرادة مغايرة للأمر، ومغايرة للعلم، ومغايرة)
للرضا، مغايرةً كالمغايرة الثابتة عند العقل

في كونها بالضرورة )
(ج1/ص375)
3 – وقال الإمام القرطبي الأشعري في تفسيره 

العظيم :
( لا يرضى لعباده الكفر وإن أراده، فالله تعالى يريد 

الكفر من الكافر، وبإرادته كفَر،

ولا يرضاه ولا يحبه، فهو يريد كون ما لا يرضاه، وقد 

أراد الله عز وجل خلق إبليس،

 وهو لا يرضاه، فالإرادة غير الرضا،

 وهذا مذهب أهل السنة ).
الجامع ج18/ص 251

4 – قال الإمام ابن جزي في تفسيره التسهيل
(( ولا يرضى لعباده الكفر)
تأول الأشعرية هذه الآية على وجهين:
ـ أحدهما: أن الرضا بمعنى الإرادة، ويعني بعباده 

من قضى الله له بالإيمان والوفاة عليه،

 فهو كقوله: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان)))
ـ
والآخر: أن الرضا غير الإرادة، والعباد على هذا على 

العموم، أي لا يرضى الكفر لأحد من البشر،

 وإن كان قد أراد أن يقع من بعضهم، فهو لم يرضه 

دينا ولا شرعا، وأراده وقوعا ووجودا.

ولو تتبعنا نصوص أئمة أهل السنة ( الأشاعرة ) 

في:
[ مغايرة الإرادة للرضا والمحبة ]

لوجدنا الكثير، لا سيما في تفسير قوله تعالى:
( ولا يرضى لعباده الكفر)

إخوتي العقلاء :

هل يكون من ( العدل ) أن ينسب إلى
( الأشاعرة )
[ القول بأن الله راض ومحب للكفر والفسوق 

والعصيان ] ؟!!!. هذا ؛ 

وتقتضي الأمانة ، ويوجب الإنصاف أن يقول الباحث 

بالقول الذي عليه جمهور علماء المذهب

إن وجد فيه قولا مخالفا له ، وتستلزم ( الحيدة ) أن 

يشار إلى ذلك ،
وبخاصة إذا كان هذا ( القول ) أو الباحث له خطره 

على الفكر أو المجتمع ! .
اللهم ارزقنا القصد في الرضا والغضب ،
وألهمنا رشدنا ، وقنا شر أنفسنا .

الأحد، 26 مايو 2013

الوهابيه بين كتاب الاعتصام للشاطبى وعقيدته

الذي عرفكم كيف تميزون البدعة من السنة ،


 هو الإمام الشاطبي ( ت ٧٩٠هـ) ، في كتابه 

(الاعتصام) ، فهو أهم كتاب في التعريف بالبدعة 

والتحذير منها .

وهذا الإمام في هذا الكتاب هو الذي عظم السنة 

واتباعها أكبر تعظيم ، وشدد على اتباع السلف 

أقوى تشديد ، واستدل لذلك بكل دليل نقلي 

وعقلي ، وحشد في الخضوع للسنة وتبجيل اتباع 

السلف من النصوص ما يبهر ، وصار كل من جاء 

بعده عالةً عليه ، وتنافستم ( معشر السلفية ) 

على تحقيق كتابه .


وقد قال الدكتور سعيد الغامدي في رسالته 

للماجستير ( حقيقة البدعة وأحكامها ) متحدثا عن 

كتاب الاعتصام : (( فهو العمدة في هذا الباب ، 

والمورد لكل من تكلم في البدعة بعده . فقد نزع 

الشاطبي في هذا الكتاب بقوة ، فما رُؤي عبقري 

يفري فرية ، حتى ضرب الناس حول كتاب الاعتصام 

بعطن ، وعلوا منه ونهلوا وحوموا ليدركوا شأوه ، فما 

وصلوا ... إلخ )) ، في ثناء جليل عليه ( ١/ ٢١٥) .

وقال سليم الهلالي في مقدمة تحقيقه للاعتصام : 

(( وهو بذلك أول من قعّد أصول علم معرفة البدع ؛ 

فإن كتاب الاعتصام لا ندّ له في بابه ، فهو واسطة 

عقده ونسيج وحده ...)) ، مقدمة التحقيق ( ١/ ٧) .
ومع ذلك فالشاطبي عند عامة هؤلاء ممن تعلموا 


عنه السنة من البدعة ، وحاموا حول كتابه فما بلغوا 

شأوه = ضال مبتدع ؛ لأنه أشعري !!

فالشاطبي (( أشعري في باب الصفات والقدر 

والإيمان وغيرها ، ومرجعه في أبواب الاعتقاد هي 

كتب الأشعرية )) ، كما قال ناصر الفهد في كتابه 

(الإعلام : ٦ ) .

فما أصح ما ينطبق عليكم في موقفكم من 

الشاطبي قول القائل في قلة المروءة ونكران 

المعروف :

أعلمه الرماية كل يوم ••• فلما استدّ ساعده رماني

وكم علمته نظم القوافي •• فلما قال قافية هجاني

وموقفهم هذا مع سوأته الأخلاقية فهو سوأةٌ علمية 

أيضا ، فهم يقررون أن مذهب الأشعري متأصل على 

أصول بدعية ، تعتمد على استخفاف بالسنة ، ولا 

تقيم لمذهب السلف وزنا ! فهل تأصل مذهب 

الأشعرية عند الشاطبي في الكتاب الذي عظم فيه 

السنة وأشاد باتباع السلف على الاستخفاف 

بالسنة أيضا وعدم إقامة وزن لاتباع السلف أيضا ؟!!

أم سيكون هذا من جملة تناقضات الأشعرية ؟! 

وهي أن الذي علمكم السنة من البدعة ، هو 

نفسه مبتدع لا يعرف السنة من البدعة ؟!!

حديث الجارية ( أين الله ) يفسر نفسه

يسألون عن حديث الجارية نقول فيه عدة روايات 

وان خير ما فسر الحديث هو الحديث

نقولان تمسك المشبهة والجهوية القائلين بالجهة 

لله تعالى وهي جهة العلو كما في كتب بعض 

الوهابية ككتاب محمد صالح عثيمين في شرح 

العقيدة الواسطية لاحمد بن تيمية وتبعا له ولابن 

القيم الجوزية كما في مختصر الصواعق واجتماع 

الجيوش لإثباتهم جهة العلو لله تعالى بحديث 

الجارية فهو تمسك باطل لا وجه له , لأن الحديث 

إذا حكم بصحته فهو مؤول على أنه سؤال عن 

المكانة والرفعة والمنزلة لا عن المكان والجهة , 

والحديث ليس على ظاهره , وهو الموافق للآية 

المحكمة {ليس كمثله شئ}. ثم إن حديث الجارية 

روي بعدة ألفاظ مختلفة منها ما رواه الإمام ابن 

حبان في صـحيحـه عن الشريد بن سويد الثقفي 

قال قلت يا رسول الله إن أمي أوصت أن نعتق عنها 

رقبة وعندي جارية سوداء قال: ادع بها فجاءت 

فقال: من ربك؟ قالت: الله، قال: من أنا؟ قالت: أنت 

رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة. ورواه أيضا 

بهذا اللفظ النسائي في الصغرى وفي الكـبرى 

والإمام أحمد في مسنده والطبراني والبيهقي ورواه 

أيضا بهذا اللفظ ابـن خزيمة في كتابه الذي سماه 

كتاب التوحيد من طريق زياد بن الربيع عن بن عمرو 

عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن الشريد. ومنها 

ما رواه الإمام مسلم في صحيحه باب تحريم الكلام 

في الصلاة دون كتاب الإيمان من طريق هلال بن 

أبي ميمونة عن عطاء ابـن يسار عن معاوية بن 

الحكم السُّلَمي قال: وكانت لي جارية ترعى غنما 

لي قِبَلَ أُحد والجوَّانية فاطَّلَعتُ ذات يوم فإذا الذيب 

قد ذهب بشاة من غنمها وأنا رجل من بني ءادمَ 

ءاسـفُ كما يأسفون لكني صككتـها صكَّـةً فأتيتُ 


رسول الله صلى الله عليه وسلم فعظَّمَ ذلك علي 

قُلتُ يا رسول الله أفلا أُعتقُها؟ قال: إئتني بها، 

فأتيته بها، فقال لها: أين الله؟ قالت في السماء، 

قال: من أنا؟قالت أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها 

مؤمنةٌ. وجاء من وجه ءاخر عند الإمام مالك في 

الموطأ: باب ما يجوز من العتق في الرقاب الواجبة 

بلفظ: أين الله وبلفظ: أتشهدين أن لا إله إلا الله 

بزيادة: أتوقنين بالبعث بعد الموت دون لفظ: فإنها 

مؤمنة من طريق ابن شهاب في الثانية. وفي رواية 

لابن الجارود بلفظ: أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ 

قالت: نعم، قال: أتشهدين أني رسول الله؟ قالت: 

نعم، قال: اتوقنين بالبعث بعد الموت؟ قالت نعم، 

قال: اعتقها فإنها مؤمنة. وهي رواية صحيحة. وفي 

رواية لأبى داود في سننه: باب: تشميت العاطس 

في الصلاة، وباب: في الرقبة المؤمنة ، من طريق 

يزيد بن هارون قال أخبرني المسعودي عن عون بن 

عبد الله عن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة أن 

رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجارية 

سوداء فقال: يا رسول الله إن عليَّ رقبة مؤمنة، 

فقال لها: أين الله؟ فأشارت إلى السماء بإصبعها، 

فقال لها: من أنا؟ فأشارت إلى النبي صلى الله 

عليه وسلم وإلى السماء، يعني أنت رسول الله. 

وفي لفظ من طريق الحجاج بن الصواف قالت في 

السماء.. وفي رواية لأحمد أنها أشارت إلى السماء 

بإصبعها السبابة، وفي رواية لعبد الرزاق في مصنفه 

باب ما يجوز من الرقاب بلفظ: أين ربك؟ فأشارت 

إلى السماء. وبلفظ: أتشهدين أن لا إله إلا لله؟ 

قالت نعم.